منوعات

تولـ,ـع الحفلة

نزلت ندى السلم السلم القديم ورجليها بتخبط في الأرض بقوة، دقات قلبها كانت عاملة زي الطبل، ميكس غريب بين رعب اللحظة وبين نشوة انتصار مرعبة! الهوا في الشارع كان حار ويكتم، بس بالنسبة لها كان أحلى من النسمة. مشيت مش عارفة رايحة فين، شنطتها في إيدها، وعبايتها اللي نزلت بيها كانت متبهدلة من لحوسة الكريمة اللي طارت عليها، بس راسها كانت في السما. وراها في الشقة، كانت القيامة قامت! زلـ,ـزال في شبرا

أم سامح قعدت تصوت وتلطم على خدودها الغـ,ـرقانة شيكولاتة وكريمة مانجو: — “يا لهوي يا فـ,ـضيحتنا وسط الناس! البت مسحت بكرامتنا الأرض وصغرتنا قدام الغريب والقريب! طلقها يا سامح.. طلقها واكسر وراها قلة، دي بت فاجرة وناكرة للجميل!” سامح كان واقف في نص الصالة زي اللوح، وشه جايب ألوان، المعازيم بدأوا يتسللوا واحد ورا التاني وهما بيداروا ضحكاتهم، وكل واحد خارج يقول في نفسه: “والله وبرافو عليكي يا ندى.. ربّيتي الست دي!” أم إبراهيم الجارة خرجت وهي بتقول لبنتها في السر: “تستاهل.. ياما ذلت الغلبانة وربنا ردلها القلم قلمين وفي عيد ميلادها!”

سامح مسك تليفونه وإيده بترتعش، اتصل بندى مية مرة.. مفيش رد. بعت لها رسائل كلها تهديد ووعيد: “لو مرجعتيش دلوقتي واعتذرتي لأمي وبوستي رجليها، مش هتشوفي ضفر هدوم من حاجتك، وهرميكي في الشارع بالهدوم اللي عليكي!” ندى شافت الرسالة وهي قاعدة في الميكروباص رايحة لبيت أهلها. ضحكت بسخرية وقامت قافلة التليفون خالص. المواجهة في بيت الأهل وصلت ندى بيت أهلها في المطرية الساعة واحدة بالليل. أمها فتحت الباب وخضتها شكل ندى: وشها عرقان، وعينيها فيها لمعة غريبة، وفيه بقايا كريمة شيكولاتة على طرف كمها.

— “في إيه يا بنتي؟ ماله شكلك؟ وسامح فين؟” ندى دخلت، رمت الشنطة على الكنبة، وقعدت وهي بتاخد نفسها لأول مرة من سنين: — “سامح بح.. انتهى يا أمي. أنا قلبت التورتة على وش أمه وسبتله البيت.” الأم صوّتت وخبطت على صدرها: “يا مصيبتي! قلبتي التورتة على حماتك؟ يا بنتي إحنا ناس غلابة ومش حمل فضايح والمحاكم، والناس هتاكل وشنا! هتطلقي وتتبهدلي؟” في اللحظة دي، دخل أبو ندى، راجل طيب وشقيان، ضهره محني من الشغل في الورشة. بص لندى وشاف في عينيها حاجة عمره ما شافها.. شاف “كسرة” اتحولت لـ “قوة”. قعد جنبها وأخدها في حضـ,ـنه وقال لمراته:

— “اسكتي يا أم ندى. بنتي ما بتعملش كده إلا لو جابت آخرها. قوليلي يا بنتي.. إيه اللي حصل؟” ندى حكت كل حاجة.. حكت من أول يوم دخلت فيه البيت، إزاي كانت بتتنازل، وإزاي بعتت ذهب أمها عشان تجهز الشقة، وإزاي سامح كان بياخد مرتبها يديه لأمه، لحد “وصلة المذلة” اللي حصلت قدام الجيران في عيد الميلاد. الأبو عينه دمعت، وضغط على إيدها بقوة:

— “وعزة جلال الله يا ندى.. لو آخر يوم في عمري ما هترجعي للبيت ده تاني. أنا جوزتك لراجل يحميكي، مش لواحد يخلي أمه تتسلى بيكي قدام اللي يسوى واللي ميسواش. هدومك وحاجتك هتيجي لحد عندك، ورجلي فوق رقبة أي حد.” خطة “أم سامح” الخبيثة مر يومين، وأم سامح مش قادرة تنسى الإهانة. الكريمة طلعت من وشها، بس الغـ,ـل والسـ,ـم لسه جوة قلبها. قعدت مع سامح وقالت له: — “اسمع يا واد.. البت دي لو اطلقت هتاخد المؤخر والنفقة والقائمة، وإحنا مش حيلتنا مليم، والناس هتقول البت كسرت عينهم ومشيت. إحنا لازم نلوي دراعها.”

سامح بضعف: “هنعمل إيه يا أمي؟ البت قفلت تليفونها وأبوها راجل ناشف.” أم سامح بابتسامة صفرا: “القمة! القائمة بتاعتها فيها حاجات إحنا اللي شاريينها بالوصولات، وغير كده الشقة باسمي.. إحنا نرفع عليها قضية ‘نشوز’، ونقفل الشقة وناخد حاجتها كلها نبيعها، ونخليها تلف حوالين نفسها عشان تاخد قشاية واحدة!” وفعلاً، بدأ سامح وأمه يبعتوا إنذارات بالطاعة، وبدأوا يروجوا في المنطقة كلام مش كويس عن ندى وإنها “مجنونة” و”قليلة الأصل”. المفاجأة.. ندى مابقتش ندى القديمة!

سامح كان فاكر إن ندى هتقعد تعيط وتندب حظها. لكن ندى من تاني يوم نزلت لواحد من أكبر المحامين في المنطقة، وبدأت تتحرك بذكاء وهدوء. وفي يوم، وسامح وأمه قاعدين في الشقة بيشربوا شاي ومبسوطين باللي بيعملوه، الباب خبط بعنف. سامح فتح لقى محضر ومعاه قوة من الشرطة، ووراهم ندى وأبوها ومحامي! المحامي بكل برود: “معانا إذن من النيابة وتمكين من الشقة بصفة الزوجة، ومعانا أمر حجز وتبديد على المنقولات لأنكم غيرتوا في معالم القائمة وبعتوا أجهزة منها!”

أم سامح خرجت تجري وتصرخ: “شقتي! دي شقتي أنا وباسمي!” المحامي ابتسم وقالها: “الشقة باسمك آه يا ست، بس ابنك كاتب في عقد الجواز إن ده ‘مسكن الزوجية’، ومن حق الزوجة تتمكن منه.. وكمان فيه إيصالات أمانة باسم ابنك ندى كانت شايلاها للزمن.. إيصالات بفلوس الذهب اللي أخدتوه منها عشان تغيروا سيراميك الشقة!” سامح وشه بقى زي الجـ,ـثة، وبص لندى بذهول: “ندى.. إنتي تعملي فيا أنا كده؟” ندى وقفت قدامه، وبصت له من فوق لتحت بنفس النظرة الحادة:

— “أنا مبعملش حاجة يا سامح.. أنا بس باخد حقي. إنت وأمك عيشتوني سنين فاكرة نفسي جـ,ـربوعة لقتوها في الشارع، والنهاردة أنا جاية أوريك مقامي الحقيقي. الشقة دي هقعد فيها ورجلي فوق راسكم، وإنت يا إما تدفع الفلوس اللي عليك.. يا إما تشرف في القسم!” نهاية النمر الورقي أم سامح لقت اللعبة اتقلبت عليها. الست الشديدة اللي كانت بتزعق وتذل الناس، قعدت على السلم تعيط وتترجى أبو ندى: — “يا حاج إسماعيل.. إحنا أهل، ملوش لزمة الفضايح دي، البت بنتنا وسامح ابنك!”

أبو ندى بص لها وقال بكلمتين هزوا العمارة: — “بنتي هانم.. وإنتي اللي قُلتي إنكم عملتوا منها بني آدمة. أهو البني آدمة دي هتعرفكم قيمتكم بالقانون.” في خلال شهور قليلة، ندى أخدت كل حقوقها تالت ومتلت، وسامح بقا مديون ومكسور ومش عارف يرفع عينه في الشارع من كتر كلام الناس عليه وعلى أمه بعد ما “التورتة” فضحتهم في كل حتة. ندى أسست حياتها من جديد، رجعت لشغلها، وطورت من نفسها، وبقت كل ما تفتكر ليلة عيد الميلاد.. تبتسم وتعرف إن ساعات “قلبة تورتة” بتكون هي أول خطوة في طريق الحرية والكرامة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى