معر.كة الكرامة والقهوة السادة مرّت ثلاثة أسابيع على تلك الليلة في المستشفى. كان ياسين يقف أمام مرآة مكتبه في قسم جر.احة القلب، يضبط رابطة عنقه. لم تعد البدلات الإيطالية ولا الساعة الثمينة تجلب له ذلك الشعور القديم بالتفوق. لقد تحول كل ذلك إلى “ضوضاء” لا معنى لها أمام نظرة واحدة ثاقبة من عطر. طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكاره. دخلت عطر وهي تحمل ملفاً طبياً، ورداء العمل الأبيض يزيدها وقاراً.
عطر: (بنبرة رسمية صار.مة) “دكتور ياسين، دي تقارير المتابعة الخاصة بالطفل ‘زياد’. حالة العضلة القلبية ممتازة، وممكن يتنقل لغرفة العناية المتوسطة النهاردة.” أخذ ياسين الملف، وتعمد أن تلامس أطراف أصابعه أناملها، لكنها سحبت يدها بسرعة وخفة كالسراب. ياسين: (بنبرة هادئة يحاول بها ك.سر الجليد) “تسلم إيدك يا دكتورة. شغل ممتاز.. زي العادة.” سكتت عطر واستدارت لترحل، فصاح بسرعة قبل أن تتخطى العتبة: “عطر.. أقصد، دكتورة عطر! القهوة بتاعة امبارح.. ممكن أعزمك على القهوة النهاردة؟ في الكافتيريا، خمس دقائق بس نناقش حالة العملية الجاية.”
التفتت إليه عطر، وظهرت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل مزيجاً من التحدي والذكاء. عطر: “أنا مش بشرب قهوة في ساعات العمل مع زمايلي إلا لو كان في اجتماع قسم رسمي يا دكتور. وحالياً.. ورايا مرور على الرعاية المركزية.” تركته وخرجت بخطوات واثقة، ليقف ياسين في منتصف الغرفة، يبتسم لنفسه برغمة عنه.لقد كانت تذوقه من نفس الكأس، ولكن بطريقة راقية تجعله يعشق كبرياءها أكثر كل يوم. المشهد الثاني: عودة إلى الدوار.. وتغيير قواعد اللعبة
في نهاية الأسبوع، قرر ياسين العودة إلى بلدته في الصعيد. لم يعد ذلك الشاب الغاضب الذي جاء يحمل عقود طلاق وأوهاماً بامتلاك الحقيقة. جاء هذه المرة كطالب غفران. في دوار الحاج حمدان، كان الهدوء يخيم على المكان. الحاج حمدان يجلس على مقعده الخشبي والأرض تكتسي بالهيبة. دخل ياسين، وسلّم على يد أبيه وقبّلها. الحاج حمدان: (بنظرة تفحصية حا.دة من تحت حاجبيه الكثيفين) “راجع ليه يا ياسين؟ جايب معاك ورقة جديدة ولا جاي تقيس البيت بساعتك تاني؟”
ياسين: (بصوت خافض ومليء بالند.م) “أنا جاي أتعلم يا بوي.. جاي أقولك إنك كنت صح. أنا اتعميت والغربة سر.قت مني العقل، بس عطر فتحت عيني على الحقيقة.” رفع الحاج حمدان رأسه، وظهرت في عينيه لمعة رضا مكتومة حاول إخفاءها. الحاج حمدان: “عطر مش بنت بتتوزن بالدهب يا ياسين. عطر دي هي السند اللي شال العيلة لما الكل فارق. لو فاكر إن كلمة ‘أسف’ بتمحي السنين، تبقى لسه ما عرفتهاش.” ياسين: “مش مستعجل يا بوي.. أنا مستعد أقضي بقية عمري أثبت لها إن القشرة اللي كانت عليا راحت، وإن الراجل اللي جوايا هو اللي يستاهلها.”
في هذه اللحظة، دخلت عطر إلى الدوار قادمة من القاهرة. كانت ترتدي عباءة بسيطة وأنيقة، وبيدها حقيبة أوراقها. تفاجأت بوجود ياسين، لكن ملامحها ظلت هادئة تماماً. عطر: “مساء الخير يا عمي.. مساء الخير يا دكتور.” جلس الثلاثة، وكان التوتر المكتوم يملأ الفضاء. استغل ياسين الفرصة وبدأ يتحدث عن التطوير الذي يخطط له في مستشفى البلدة الصغير، وكيف يريد إنشاء وحدة متكاملة لجر.احة قلب الأطفال بالمجان، إكراماً لأبيه وللبلد. تنبهت عطر. نظرت إليه لأول مرة بفضول حقيقي، وليس ببرود.
عطر: “وحدة جراحة أطفال؟ المشروع ده محتاج تمويل ضخم وتجهيزات معقدة يا ياسين.. مش مجرد كلام.” ياسين: (وهو ينظر في عينيها مباشرة) “المادة مش مشكلة، أنا مستعد أتطوع بوقتي وكل مدخراتي من شغل برة. بس الوحدة دي محتاجة رئيس قسم يملك العلم والقلب.. ومفيش حد أقدر أئتمنه على الحلم ده غيرك يا دكتورة عطر.” شعرت عطر بصدق كلماته، ولأول مرة يقل اتخاذها لموقف الدفاع، لكنها اكتفت بهز رأسها وقالت: “الموضوع يدرس.. نبقى نناقش التفاصيل في المستشفى.”
المشهد الثالث: الاختبار الصعب والأزمة العاصفة بعد أسبوعين، حلّت اللحظة التي اختبرت قدرة الجميع على الصمود. وصل إلى مستشفى القصر العيني بالقاهرة بلاغ عن حا.دث سير مروع على الطريق الصحراوي. الحالات كانت حرجّة جداً، وشكّلت حالة طوارئ قصوى في قسم الجراحة. كان ياسين وعطر في غرفة الطوارئ، يرتديان ملابس الجر.احة والسرعة هي الحاكمة. فجأة، دخل طاقم الإسعاف يحمل مصاباً في حالة انه.يار كامل للد.ورة الد.موية، ينز.ف بغزارة من الصد.ر. الممرض: “دكتور ياسين! الدكتور حازم العطار كان في العربية دي.. تعرضت لانقلاب وهو نزل يسعف الناس وتض.ربت عربية تانية فيه!”
تجمّد ياسين لثانية. دكتور حازم؟ المنافس الذي كانت الغيرة تأكل قلب ياسين منه؟ الرجل الذي ظن يوماً أنه قد يسر.ق عطر منه؟ التفت ياسين فوراً ونظر إلى عطر. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها متسعتان من الصد.مة والر.عب على أستاذها وزميلها. عطر: (بصوت يرتجف لأول مرة) “حازم.. النز.يف شرياني! محتاج استكشاف صد.ر فوراً!” شعر ياسين بشيء يغلي في صد.ره، لكنه في تلك اللحظة حسم أمره؛ أثبت لنفسه ولها أنه طبيب حقيقي ورجل بنبل فرسان.
مسك ياسين كتف عطر بصلابة وثبات وقال بصوت دافئ وقوي: ياسين: “دكتورة عطر! انظري لي هنا! دكتور حازم هيرجع بخير، وأنا اللي هعمل العملية بنفسي.. وإنتي هتكوني معايا. نسي أي حاجة تانية ورا الباب، ده وقت إنقاذ حياة زميلنا.” استجمعت عطر قواها وتنفست بعمق، وحلت الشجاعة محل الخو.ف في عينيها. عطر: “جاهزة يا دكتور.. يلا بينا.” المشهد الرابع: بين الحياة والمو.ت في داخل غرفة العمليات، كان الموقف يتأرجح على أطراف المش.رط.
النز.يف كان شديداً، وارتفاع ضغط الد.م المنخفض جداً يهدد بتوقف القلب في أي لحظة. كان حازم يتأرجح بين الحياة والمو.ت. أبدى ياسين براعة فائقة، يداه كانت تتحركان بسرعة وسلاسة كأنه يعزف معزوفة جرا.حية معقدة. كانت عطر بجانبه، تجاري سرعته بدقة متناهية، تفتح وتغلق الملاقط، وتشفط الدماء لتكشف له مجال الرؤية. ياسين: “مشر.ط 2.. غرزة برولين 4/0 بسرعة!” في لحظة فارقة، انخفض مؤشر نبضات القلب فجأة: بييييييب… شاشة المراقبة أظهرت توقف القلب!
عطر: (بفزع) “القلب وقف! دكتور ياسين!” لم يتردد ياسين لثانية. أبعد الأدوات وبدأ يعمل تدليكاً مباشراً للقلب بيده داخل الصد.ر المفتوح ياسين: (وهو يضغط بإيقاع منتظم والعرق يكسو وجهه) “ارجع يا حازم.. مش هسمحلك تمو.ت هنا! ارجع!” كان يضغط بعزم وتركيز خياليين. عطر كانت تنظر إلى ياسين بذهول؛ لم تَرَ جراحاً يقا.تل لأجل حياة مريض بهذه الشر.اسة من قبل، فكيف وهو يقا.تل لأجل الرجل الذي كان يغار منه؟ بعد دقيقة من الر.عب حبست أنفاس الجميع…
تك… تك… تك… عادت الشاشة لتعرض النبضات بانتظام. تنفس الجميع الصعداء. ابتسم ياسين من تحت الماسك ونظر إلى عطر. ياسين: “النز.يف اتوقف.. الخياطة تمت بنجاح. دكتور حازم هيعيش يا عطر.” سقطت دمعة واحدة من عين عطر وراء نظارتها الطبية، لكنها لم تكن دمعة حزن، بل كانت دمعة امتنان وانباط لشخصية ياسين الجديدة. المشهد الخامس: الحقيقة تحت أضواء المستشفى بعد ساعات، خرج حازم من العناية المركزة واستقرت حالته تماماً. في شرفة المستشفى المطلة على النيل ليلاً، كانت عطر تقف تتأمل أضواء المدينة والنسيم البارد يداعب وجهها.
اقترب ياسين بخطوات هادئة وهو يحمل معطفه، ووضعه على كتفيها ليحميها من البرد. عطر: (دون أن تتلفّت) “اللي عملته النهاردة مع حازم.. مكانش أي جر.اح يقدر يعمله بالهدوء والنبل ده.” ياسين: (يقف بجانبها ينظر للنيل) “أنا عملت واجبي يا عطر. وحازم دكتور ممتاز ويستاهل يتعاش عشان ينقذ ناس تانية. أعد.ميني لو كنت فكرت في أي حاجة شخصية جوه أوضة العمليات.” التفتت إليه عطر، ونظرت في عينيه بتركيز شديد.
عطر: “عارف يا ياسين.. لما جيت من السفر بالبدلة والساعة، كنت شايف واحد غريب عني.. واحد افتكر إن الفلوس والشهادات برة هي اللي بتعمل القيمة. بس النهاردة.. شفت ياسين ابن الحاج حمدان، الجراح اللي بجد، والراجل اللي ينفد بوعده.” ابتسم ياسين ابتسامة هادئة، وشعر كأن ثقلاً جليلاً أُزيح عن كاهله. ياسين: “تفتكري كده.. أستاهل أخد الخطوة الأولى في الفرصة اللي وعدتيني بيها؟” ابتسمت عطر ابتسامة دافئة، وسحبت المعطف حولها أكثر.
عطر: “الخطوة الأولى اتأخدت النهاردة يا دكتور.. بس الطريق لسه طويل. مشروع مركز جر.احة الأطفال في البلد يبدأ الأسبوع الجاي.. وإنت المسئول التنفيذي قدامي.” ياسين: (بضحكة خفيفة مليئة بالأمل) “جاهز لكل الشروط والأوامر يا سيادة الدكتورة.” النهاية: بداية الفصل الجديد في نهاية الأسبوع التالي، كان دوار الحاج حمدان يضج بالبهجة. جمع الحاج حمدان أهالي البلدة ليعلن رسمياً عن بدء وضع حجر الأساس لمركز جر.احة قلب الأطفال، برئاسة الدكتورة عطر وإشراف الدكتور ياسين.
وقف ياسين بجانب عطر أمام الحضور. ألقى كلمة شكّر فيها والده، ثم التفت إلى عطر أمام الجميع وقال: “المشروع ده مش مجرد مستشفى.. ده رسالة حب وتقدير لأكتر إنسانة علمتني إن القيمة الحقيقية مش باللي بنلبسه، لكن باللي بنقدمه للناس.. شكراً يا دكتور عطر.” صفّق الجميع بحرارة، وكان الحاج حمدان يجلس ومسبحته في يده، يبتسم براحة وهو يرى ابنه قد عاد رجلاً بحق، وزوجته بجانبه تقف كالملكة. نظر ياسين إلى عطر وهمس لها: “لسه القهوة ملغية؟”
ابتسمت عطر وقالت بصوت هادئ: “النهاردة بس.. ممكن نشرب القهوة سوا يا ياسين.. ونسيب الأيام الجاية تكتب بقية الحكاية.”