منوعات

تاني يوم بعد الفرح

جلستُ أمام المرآة. أخذتُ نفسًا عميقًا يهزّ صدري، ونزعتُ حَلق الألماس الخفيف الذي أهدتني إياه جدتي، واستبدلتُ به حَلقًا آخر من الذهب الأبيض الثقيل، ذي زوايا حادة يشبه شفرة المشرط. خلتُ الروب الحريري الأبيض ورميته على الطرف الآخر من السرير دون اهتمام، وارتديتُ بدلة سوداء كلاسيكية ذات أكتاف بارزة، ورفعتُ شعري لأعلى في كعكة مشدودة تُبرز ملامح وجهي الحادة. لم أعد “ليلى” الوديعة التي تجلس في زاوية الغرفة تبتسم مجاملةً لكل نكتة سخيفة يطلقها فؤاد، ولا الفتاة التي تتظاهر بالحياء حين يغازلها كريم.

سحبتُ حقيبة جلدي ورتبتُ فيها ملفاتي، وحين فتحتُ باب الغرفة متجهة للرواق، كان صوت الشجار في الصالة قد وصل لأوجِه. فؤاد كان يصرخ على ابنه بصوت مكتوم: — “ضيّعتها من إيدك يا غبي! أنا قلتلك بلاش تدوس جامد في أول يوم! البت طلعت مش سهلة!” وكان كريم يرد بانهيار وتوتر: — “وأنا إيش عرفني؟! طول عمرها ساكتة وما بتفتحش بؤها إلا بكلمتين! دي كانت بتجيبلي القهوة بإيدها وهي بتترعش!” وقفتُ عند بداية الرواق، وأسندتُ يدي على الحائط العتيق، وقلت بصوت هادئ وصل إليهم كالصفعة:

— “الهدوء مش جبن يا كريم… الهدوء كان مجرد فرصة أخيرة بعطيهالك عشان تثبتلي إنك بني آدم.” التفت الثلاثة إليّ فورًا. سهير حسّت إن اللعبة بتضيع بجد، فقربت مني ووشها مرسوم عليه علامات المسكنة، وحاولت تمسك إيدي: — “ليلى يا بنتي… يا حبيبتي، الشيطان دخل بينا. كريم بيحبك، وهو بس كان خايف على مستقبلكوا ومستقبل العيلة، التفاهات دي ما تهدش بيت لسه مفتوح إمبارح!” سحبتُ إيدي ببطء شديد وبصيت لإيدها الممدودة بنظرة تقزز:

— “البيت اللي يتبنى على طمع… يتهدّ من أول هبة رياح يا سهير هانم. وما أظنش إن الشيكات اللي على ابنك بكره الصبح في المحكمة هتبسّطه أوي.” كريم خطى ناحيتي بغضب، وعيونه حمرا: — “إنتِ فاكرة نفسك مين؟! فاكرة إن اسم المنشاوي ده هيحميكي مني؟ إنتِ قفلتي على نفسك باب مش هتعرفي تخرج منه! الشركات دي مش هتمشي بسلسلة من الحرير، السوق بره فيه حيتان يا ليلى… حيتان هياكلوكي حية!”

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وخطوت خطوة واحدة وقربت منه لدرجة إن عيوني بقت في عيونه مباشرة: — “الحيتان اللي بتتكلم عنهم دول… جدتي هي اللي كانت بتأكلهم من إيدها. وأنا اللي مربية الحيتان دي بنفسي من أصلًا. يلا… بره بيتي.” في اللحظة دي، خبط باب الشقة الخارجي. فتحتُ الباب بنفسي، ليكشف عن أربعة من رجال الأمن الخاص بـ “مجموعة المنشاوي”، يرتدون بدلات سوداء ووجوههم خالية من أي تعابير، ووراءهم الأستاذ “مراد” المحامي، يحمل في يده حقيبة جلدية سوداء.

مراد دخل بثبات، حنّى رأسه لي باحترام: — “صباح الخير يا ليلى هانم. السيارتين في انتظار حضرتك تحت، وجميع أوراق التحفظ جاهزة للعرض على النيابة بعد ساعة.” فؤاد وشه اصفر، وكريم اتجمد في مكانه، وسهير شهقت وهي بتحط إيدها على قلبها: — “إنتِ جايبة لنا البوليس والأمن في بيتك يا ليلى؟!” رد مراد بنبرة رسمية حادة: — “ده مش بيت الهانم والسيد كريم… ده عقار مملوك بالكامل لشركة المنشاوي للاستثمار العقاري، وحضرة السيدة ليلى طلبت سحب ترخيص الإقامة المؤقت. قدامكم بالضبط عشر دقايق تلموا متعلقاتكم الشخصية… وإلا الأمن هيتولى نقلها للمخازن.”

خلال الدقائق العشر دي، كانت الصدمة مشلولة على ألسنتهم. سهير كانت بتلم شنطتها وهي بتبصلي بجل ومقت، وفؤاد كان بيحاول يكلم محامين على التليفون بس ما حدش كان بيرد عليه في الوقت ده، أما كريم… فكان بيبصلي بنظرة خاليّة من العقل، مزيج بين الذهول والخوف، والندم اللي جه متأخر أوي. حين خرجوا من باب العقار، كانت الصحافة متجمعة تحت العمارة! سحر الغضب الخفي ظهر لما كريم خرج ولقى المصورين بيلتقطوا صور خروجه هو وأهله بشنطهم وسواقين المنشاوي واقفين يمنعوهم من اقتراب سيارات الشركة.

فؤاد صرخ في كريم بصوت عالي وسط المصورين: — “فضحتنا! يخرب بيتك فضحتنا!” أنا ما نزلتش معاهم. وقفت في البلكونة الكبيرة، مسكّت فنجان القهوة السادة، وبصيت عليهم من فوق وأنا بشرب أول رشفة. التفتّ للأستاذ مراد اللي كان واقف ورابض مستني أوامري: — “مراد…” — “أؤمريني يا ليلى هانم.” — “جمّعلي مجلس إدارة شركة ‘السيوفي للغزل’ بالكامل… الساعة اتنين الظهر في مقري أنا.” — “بس يا فؤاد هانم… شركة السيوفي أعلنت إفلاسها غير الرسمي من أسبوع!”

— “أنا عارفة… عشان كده أنا هشتري أسهمها كلها بسعر التراب النهاردة الساعة اتنين وربع. وهعين كريم مدير مشتريات تحت الاختبار… تحت إيد أصغر موظف عندي.” ابتسم مراد ابتسامة فهم خبيثة: — “تحت أمرك يا هانم. والأستاذ كريم هيوافق؟” رديت وأنا بنظر لأفق القاهرة العريضة والمصانع الممتدة في الأفق: — “هيوافق… لأن البديل إنه يقضي العشر سنين الجايين في السجن بين أربعة حيطان. جدتي أمينة علمتني إن القوة مش إنك تذبح عدوك… القوة إنك تخليه يشتغل عندك وهو فاكر إنه بيحاول ينقذ نفسه.”

نزلتُ بعدها بساعة، وركبتُ السيارة السوداء المصفحة. حركتُ يدي على القماش الفاخر للسيارة، وأخرجت مذكرات جدتي الصغيرة التي كتبت فيها بيديها المرتعشتين قبل وفاتها بأيام: “يا ليلى… النسيج القوي ما بيتعملش من الخيط الناعم… بيتعمل لما الخيوط تتشدّ وتتحرق تحت الضغط عشان تطلع قماشة ما تتقطعش أبدًا.” ضممتُ المذكرة إلى صدري، وأمليتُ السائق وجهتي بثبات: — “على المقر الرئيسي… مصانع العاشر من رمضان.” اليوم لم يكن نهاية قصتي مع كريم وعيلته… اليوم كان مجرد بداية عرض القوة الإمبراطورية اللي ظنوا إنهم يقدروا يسرقوها بفرخة فطار وورقة موثق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى