منوعات

بيحملني ذنب اني ما خلفت ولد

خرج الدكتور من الغرفة، وترك الباب مواربًا بدرجة تسمح لي برؤية ظل زوجي وهو يتراجع خطوتين إلى الوراء. خفتت الأضواء في الممر، لكن صوت الأوراق وهي تتحرك في يد الدكتور كان واضحًا ومقبضًا. ساد صمت ثقيل، صمت يسبق العاصفة، قبل أن يقول الدكتور بنبرة حاسمة خالية من أي دبلومسيّة:

— “السيد مدحت… التقارير اللي قدامي بتقول إن المدام عندها كسر في ضلعين، وكدمات حادة في منطقة الظهر والكتفين، وأثار ضغط قوي على المعصمين. ناهيك عن ضـ,ـربة في خلفية الرأس هي اللي تسببت في فقدان الوعي. إصابات السقوط من على السلم بتكون عبارة عن كسور مضاعفة في الأطراف أو التواءات غائرة، مش أثار ضـ,ـرب مباشر بأداة أو باليد في أماكن متفرقة من الجسد!” سمعت صوت أنفاس مدحت وهي تضطرب، وحاول أن يتدارك الموقف بصوت يحمل نبرة ارتباك واضحة:

— “يا دكتور… أصلها وهي بتقع كانت بتمسك في السور، ويمكن… يمكن وهي بتقع خبطت في الترابيزة اللي تحت…” سكت الدكتور لثوانٍ، ثم قال بثبات أرعبني أنا شخصياً: — “أستاذ مدحت، أنا أخصائي طب شرعي واستشاري إصابات، والإصابات دي إصابات اعتـ,ـداء حاد. القانون بيلزمني بصفتي الطبيب المعالج إني أبلغ نقطة الشرطة الموجودة في المستشفى فوراً بوجود شبهة جنائية. وهما بره حالياً بيكتبوا المحضر.” في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت أقدام مدحت. دخل الغرفة فجأة، وشه كان شاحباً تماماً كالملابس البيضاء التي يرتديها الأطباء، وعيناه اللتان كانتا تفيضان بالشر والتهـ,ـديد، أصبحت تطـ,ـاردان عينيّ ببريق من التوسل الخفي والذعر.

اقترب من السرير بخطوات مرتجفة، وقال بصوت خفيض يرتجف: — “سارة… سارة أنتِ صاحية؟ سمعتي الدكتور قال إيه؟ سارة وحياة بناتنا… متخربيش بيتنا. قوليلهم إنك وقعتي فعلاً! لو المحضر ده اتعمل أنا هترمي في السجن ومستقبلي يضيع… والبنات هيتشرودوا!” نظرت إليه طويلة. كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها بهذه الضآلة. الرجل الذي كان يصرخ ويستعرض قوته على امرأة لا تملك إلا حماية وجهها بيديها، يقف الآن مرتعداً أمام كلمة من شفاهي.

وفجأة، تحركت الستارة الفاصلة، ودخل ضابط الشرطة برفقة الدكتور والممرضة. نظر الضابط إليّ بنبرة هادئة ولكنها صارمة، ثم وجه كلامه لمدحت: — “ممكن تطلع تنتظر بره يا أستاذ لحد ما ناخد أقوال المدام؟” تسمّر مدحت في مكانه، وحاول أن يتكلم: “أصل يا باشا…” قاطعه الضابط بحدة: “قلت تفضل بره!” خرج مدحت يتجرجر كالمحكوم عليه بالإعدام. أغلق الضابط الباب، واقترب من السرير، وفتح دفتره، ثم قال بهدوء: — “ألف سلامة عليكِ يا مدام سارة. التقرير الطبي قدامنا واضح، والدكتور أكد وجود شبهة جنائية واعتـ,ـداء. دلوقتي أنا محتاج أسمع منك أنتِ… إيه اللي حصل بالضبط؟ ومين اللي تسبب في الإصابات دي؟”

في تلك اللحظة، مرت أمام عينيّ كل المشاهد: صراخ بناتي وهنّ يركضن للاختباء في الغرفة، نظرة الاحتـ,ـقار في عيني حماتي، صوت خطواته على السلم، ذل السنوات، والدموع التي خنقتها في صدري خوفاً على بيتي. نظرت إلى سقف الغرفة، وابتلعت غصتي، ثم شعرت بجرأة لم أعرفها في نفسي من قبل. رفعت رأسي، ونظرت في عين الضابط مباشرة وقررت ألا أصمت بعد اليوم… وقلت بصوت ثابت هزّ أركان الغرفة: — “اللي عمل فيا كده… هو جوزي اللي واقف بره يا باشا. ضـ,ـربني بكل قسوة لمجرد إني خلفت بنات… وأنا عايزة أقدم بلاغ رسمي وأخد حقي وحق بناتي منه بالقانون.”

اتسعت عين الضابط وتسجلت كلماتي حرفياً في المحضر. وفي نفس الليلة، أُلقي القبض على مدحت من داخل الممر، ليقضي ليلته الأولى خلف القضبان وهو الذي كان يظن أن جدران بيته تحميه من الحساب. اتصلت بأخي الذي جاء فوراً، واحتضـ,ـنني بكاءً واعتذاراً عن تقصيره في حقنا. انتقلت أنا وبناتي إلى بيت عائلتي، وبدأت رحلة التعافي القضائي والنفسي. لم يستطع مدحت ولا عائلته الضغط عليّ للتنازل، فالتقرير الطبي الصارم وشهادة الأطباء كانت كفيلة بإدانته.

وبعد أشهر قليلة، حصلت على طلاقي بحكم قضائي ورعاية كاملة لبناتي. واليوم، كلما نظرت إلى وجهَي بناتي وهما تنامان بسلام وأمان، دون خوف من صوت خطوات على السلم، أعلم أن ذلك اليوم في المستشفى لم يكن نهاية حياتي… بل كان لحظة ولادتي الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى