جمت مكاني، الكيس المفتوح في إيدي والمجسم الصغير اللي شبهي بالظبط بين أصابعي، وحاسس ببرودة مرعبة تسري في جسمي رغم شمس الصبح الدافية. بصيت لسحر… ابتسامتها المعتادة الرقيقة كانت متغيرة تماماً، فيها نظرة غموض تشل الحركة. الروب الوردي المنفوش اللي كانت لابساه كان باين عليه آثار بودرة بيضة وغبار فوم، وتحت عينيها هالات سودا ثقيلة تعكس سهر وبذل مجهود خرافى كل ليلة. قالت وهي بتبصلي بثبات: ـ “ادخل يا حسام… قبل ما حد من الجيران يشوفك وانت ماسك نفسك في إيدك.”
رجلي ماكانتش شايلاني، بس الفضول والرعب سحبوني وراها لداخل الفيلا. أول ما خطيت عتبة الباب، ريحة غريبة ضربت في مناخيري… مزيج من ريحة الغرا، البلاستيك المحروق، وريحة أرض رطبة. الفيلا من جوة ماكانتش زي ما كنت متخيلها خالص. العفش كله متشال ومكوم في الصالة، والريسبشن واسع جداً ومتحول لورشة تصنيع ضخمة! في نص الصالة كانت فيه طاولة عملاقة، عليها ماكيت مذهل ودقيق لشارعنا بالكامل! كل بيوت الجيران، الشجر، العربيات المركونة، وحتى سلك الكهربا الملفوف على الأعمده… كل حاجة متصممة بدقة متناهية. بس الغريب إن نص الماكيت ده كان متكسر، متولع فيه، ومحروق كأن زلزال أو انفجار حصل فيه!
قعدت سحر على كرسي خشبي قريب، ومسحت وشها بتعب وقالت: ـ “أنا عارفة إنك فاكرني مجنونة… أو بمارس أعمال وسحر. بس الحقيقة أغرب وأبشع من كده بكثير.” قرّبت من الطاولة وهي بتشير على البيت المصغر بتاعي: ـ “من شهر تقريباً، اكتشفت إن أي حاجة بتحصل للمواضيع أو المجسمات اللي ببنيها هنا في الورشة دي… بتحصل بالظبط في الواقع بعد 24 ساعة. في الأول افتكرتها صدفة، لما عملت مجسم لعربية جارتنا ودلقت عليه لون أحمر، وتاني يوم عربيتها اتهشمت في حادثة.”
اتنفست بصعوبة وسألتها بصوت مرعوش: ـ “وليه… ليه الأكياس الكتير دي كل يوم؟ وليها إيه علاقة بالبيت بتاعي اللي مقسوم نصين؟” دمعة نزلت من عين سحر وهي بتبصلي: ـ “كل يوم بالليل… الساعة 12 بالظبط، الماكيت ده بيتعرض لهجوم أو كوارث غريبة من نفسه، كأنه مسكون بقوة مش مرئية! خطوط بتتشقق، بيوت تتهدم، نيران تطلع من العدم… وأنا بفضل طول الليل أصارع الوقائع دي، أعيد بناء الشارع، وأرميم اللي بيتكسر عشان أحميكم! الأكياس اللي بتشوفها كل الصبح دي… هي محاولاتي الفاشلة اللي اضطريت أكسرها وأرميها عشان أبدأ من جديد.”
مسكت المجسم الصغير بتاعي وقلت وأنا مش قادر أستوعب: ـ “والنهاردة؟ ليه بيتي مقسوم نصين؟” سحر بصت لي بعيون مرعوبة وقالت: ـ “لأني ليلة أمس ماقدرتش ألحق بيتك… فيه خط شرخ عملاق بدأ يظهر في الماكيت تحت بيتك بالظبط الساعة 4 الفجر، وحاولت أثبته بالغرا والفوم بس الانهيار كان أسرع مني. الكارثة ميعادها النهاردة بالليل الساعة 4 الفجر يا حسام… بيتك هيتقسم نصين وهينهار على اللي فيه!” قلبي وقف. نهى مراتي! نهى جوة البيت دلوقتي بتعمل الفطار ومش دارية بأي حاجة!
طلعت جري من فيلا سحر وأنا مش شايف قدامي. دخلت بيتي، لقيت نهى واقفة في المطبخ وبتغني ببهجة. بصت لي باستغراب وقالت: ـ “مالك يا حسام؟ وشك أصفر كده ليه كأنك شفت عفريت؟” ماكانش ينفع أحكي لها، كانت هتفتكرني اتجننت رسمي. مسكت إيدها وقلت بصوت حاسم: ـ “نهى… لمي هدومك فوراً، إحنا لازم نسافر نبتعد عن البيت ده النهاردة، هنروح عند والدتك في الإسكندرية.” نهى بلمت وقالت بذهول: ـ “نسافر؟ دلوقتي؟ فيه إيه يا حسام اتجننت؟”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط مكتوم وجاي من تحت الأرض… صوت تشقق هادي بس مرعب تحت سيراميك الصالة. بصيت للأرض، ولقيت شرخ رفيع جدًا بدأ يتكون في السيراميك وبيكبر بالتدريج! الماكيت ماكانش بيتوقع المستقبل… الماكيت كان بيبدأ التأثير بالتدريج! سحبت نهى من إيدها بالعافية وهي بتصرخ ومش فاهمة حاجة، وخرجنا للشارع. بصيت لفيلا سحر، لقيتها واقفة ورا الشباك وبتبصلي بنظرة يأس، وإيديها شغالين بسرعة جنونية بتخلط معجون وغرا جديد.
ركبت عربيتي مع نهى ومشيت بأقصى سرعة. وأنا ببعد عن الشارع، بصيت في المراية الجانبية، شفت أكياس الزبالة السودا الضخمة اللي على الرصيف… وبدأت تحركات غريبة تحصل جواها، كأن المجسمات اللي جوة الأكياس بدأت تتنفس وتتحرك هي كمان!