منوعات

ابني طر.دني

شطوال ستين عاماً، لم تكن الحياة بالنسبة لحاجّ “صابر” سوى مضمار ركض طويل. عاش يكدّ ويعرق من أجل ابنه الوحيد “محمود”. عندما توفيت زوجته، رفض صابر أن يتزوج مرة أخرى، ونذر حياته بالكامل لمحمود. بنى البيت الحالي بالحجر، قطعة بعد قطعة، ودفع كل ما يملك ليتعلم محمود ويحصل على شهادته الجامعية. حين بلغ صابر سن التقاعد، كان قد ترك صحته وزهرة شبابه في عمله الشاق، لكنه وجد عزاءه في أنه خرج بمعاش شهري جريس يضمن له حياة كريمة، وببيت ملك خالٍ من الديون. لكن محمود كان ينظر لهذا المعاش وهذا البيت بطريقة مختلفة تماماً.

الجزء الثاني: الزيجة وبداية التحول قرر محمود الزواج من “شيرين”، وهي فتاة تبحث عن الرفاهية والراحة دون النظر لتكاليف الحياة. فرح صابر بفرحة ابنه، وجهّز الشقة العلوية في بيته من حسابه الخاص، بل ودفع شيكات المؤخر والأقساط التي اقترضها محمود ليرضي عروسته. في البداية، كانت الأمور تسير بهدوء، ولكن مع مرور الأشهر، بدأ الشحاذ يطالب بالزيادة. محمود لم يجد في راتبه الضئيل ما يكفي متطلبات شيرين، فبدأ يتسلل إلى جيب أبيه. لم يكتفِ محمود بأخذ معاش الأب بالكامل كل شهر بدعوى “أننا عائلة واحدة ويد واحدة”، بل جعل الأب يوقع على كمبيالات وأقساط شهرية لشراء أجهزة كهربائية وسيارة جديدة لشيرين!

الجزء الثالث: الشمعة التي تحتـ,ـرق لتضيء لغيرها عاش الحاج صابر في حجرة صغيرة بالدور الأرضي من بيته، يأكل ما يتبقى من طعامهم، ولا يملك في جيبه جنيهاً واحداً. كل يوم أول الشهر، كان محمود ينتظر ساعي البريد أو يذهب للبنك ليتسلم المعاش نيابة عن أبيه، بحجة أن الأب كبر في السن ولا يستطيع الحركة.

وكان صابر يتحمل كل هذا برضا وصبر، ويقول لنفسه: “إنه ابني، ومالي هو ماله، وغداً عندما يُرزق بأطفال سيرد لي هذا الجميل”. لكن شيرين لم تكن ترى الحاج صابر سوى عبء ثقيل، وشخص يتطفل على حياتهما الخاصة، رغم أنه يعيش في حجرة منفصلة تماماً ولا يدخل شقتهما إلا للضرورة. الجزء الرابع: بداية الحجج وشحذ المبررات بدأت الهمسات تدور بين شيرين ومحمود. كانت تشتكي له باستمرار: “أنا لا أستطيع أن أتحرك بوفريّة في البيت.. والدك يجلس في الصالة، وأنا أريد أن أرتدي ما أشاء وآخذ راحتي في بيتي! وجوده يربكني ولا أستطيع العيش بحرية”.

بدأ محمود يقتنع بحديث زوجته، ونسي تماماً أن البيت بيت أبيه، وأن الطعام الذي يأكلانه والسيارة التي يركبانها والأقساط التي تُسدد كل شهر، كلها من عرق هذا الشيخ المسن ومعاشه. تبلد حس محمود، وأصبح ينظر لأبيه بجفاء، ويفتعل معه المشكلات على أصغر الأمور. الجزء الخامس: ليلة الغـ,ـدر في ليلة شتاء باردة، حسم محمود أمره بعد ضغط شديد من شيرين. دخل على أبيه في حجرته، ولم ينظر في عينيه من الخجل واللؤم، وقال بنبرة حادة: “يا أبوي.. شيرين تريد أن تأخذ راحتها في البيت، وأنت تضايقها بوجودك.. أنا أوجدت لك حجرة صغيرة بالإيجار في آخر الشارع، ستنتقل إليها من الغد!”.

ذهل الحاج صابر، وسقطت الدموع من عينيه الشاحبتين. قال بصوت متهدج: “تطـ,ـردني يا محمود من بيتي الذي بنيته بعرقي؟ وأنا الذي أعطيك معاشي كل شهر وأدفع أقساطك؟”. رد محمود بقسوة: “هذا هو المتاح الآن، والمعاش سنأخذه لنرد به الأقساط ونرسل لك منه ما يكفيك للأكل!”. خرج الأب في تلك الليلة يحمل حقيبة ملابسه القليلة، وقلبه مكسور لا يرممه شيء. الجزء السادس: انقسام غبار الظلم وتداعي الباطل سكن الأب في الغرفة المظلمة الباردة، وكان جيرانه الطيبون يطعمونه بعدما علموا بقصته. أما محمود وشيرين، فقد ظنا أن الحياة خلت لهما، لكن “عدل السماء” لا ينام.

بعد شهرين فقط، تدهورت حالة الأب الصحية ودخل المستشفى، ولأنه لم يوقع على توكيل جديد، توقف صرف المعاش من البنك. فجأة، تراكمت الأقساط على محمود، وبدأت الشركات تطالبه بسداد أقساط السيارة والأجهزة. حاول محمود التصرف لكن راتبه لم يكن يكفي ربع الالتزامات، وتراكمت عليه الديون وأصبح مهدداً بالسجن. وبدأت المشاكل تشتعل بينه وبين شيرين التي لم تتحمل نقص المال، وطالبته بالطلاق بعد أن أدركت أنه أصبح بلا حيلة. الجزء السابع: صفعة القدر والندم التأخر

في أحد الأيام، جاءت الشرطة لتلقي القبض على محمود بسبب الكمبيالات المكسـ,ـورة. لم يجد محمود أحداً يلجأ إليه سوى أهل الخير والجيران، الذين نظروا إليه باحتـ,ـقار وقالوا له: “أبوك الذي طـ,ـردته كان هو بركتك وسترك، ولما طـ,ـردته رفع الله ستره عنك”. هرع محمود إلى الغرفة الباردة ليشهد الفاجعة الكبرى؛ وجد أباه قد فارق الحياة على فراشه التواضع، وفي يده ورقة صغيرة كتب فيها بخط يد يرتجف: “سامحتك يا محمود لأنك ابني.. ولكن دعوة المظـ,ـلوم ليس بينها وبين الله حجاب”.

سقط محمود على قدمي أبيه يصرخ ويبكي، ولكن بعد فوات الأوان. دخل محمود السجن ليدفع ثمن ديونه، وخسر بيته وزوجته وآخرته، وعاش بقية حياته يطـ,ـاردها كابوس عقوق الأب الذي لم ينفعه بعده مال ولا زوجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى