منوعات

الدكتوره حبيبتو القديمه

خرج محمود ورجليه مش شايلاه، وساب باب العمليات يتقفل بينه وبين أميرة للمرة التانية… بس المرة دي، هي بتنقذ حاضره وحياته اللي بناها بعد ما سابته. معركة في غرفة العمليات جوا الأوضة، كانت أميرة بتحارب الزمن. رشا كانت بتغيب عن الوعي، والنبض بينزل بسرعة. المشرط في إيد أميرة كان ثابت، بس قلبها كان بيعصر. كل تفصيلة في وش رشا كانت بتقولها إن الست دي خدت المكان اللي كان المفروض يبقى مكانها، بس المروءة والضمير المهني كانوا أقوى من أي غيرة أو ندم.

“هاتوا أكياس الدم بسرعة! جهزوا الصدمات، افتحوا السيروم!” أوامر أميرة كانت صريحة وسريعة كأنها قائد في معركة. ساعتين كاملين من الرعب، لحد ما الصوت الأجمل في الدنيا شق سكون الأوضة… صريخ طفل صغير، صوته عالي، بيعلن وصوله للحياة. الممرضة رفعت الولد وهي بتضحك: “مبروك يا دكتورة، ولد زي الفل، شبه أبوه سبحان الله!” أميرة بصت للولد، وشافت فيه ملامح محمود… نفس رسمة العيون والنظرة. دمعة دافية هربت من عينها تحت الماسك، بس مسحتها بسرعة وقالت للممرضة بصوت هادي: “نظفوه وودوه الحضانة مطمنين، والست انقلوا لها دم واطلعوا بيها على العناية المركزة… حالتها استقرت.”

اللقاء على أعتاب الماضي خرجت أميرة من غرفة العمليات وهي حاسة إن حيلها مهدود، مش بس من التعب الفيزيائي، لكن من ثقل اللحظة. لقيته قاعد على الكرسي بره، حاطط وشه بين إيديه وبيدعي وبيترعش. أول ما سمع صوت الباب اتفتح، قام وقف بسرعة، عيونه فيها ترقب وخوف رهيب. محمود: “أميرة… رشا كويسة؟ الولد جرى له حاجة؟” أميرة (بابتسامة متعبة بس حنونة): “اطمن يا محمود. رشا بخير، زفتلك ولد زي القمر… الحبل السرّي كان ملفوف على رقبته وضغطها كان نازل، بس الحمد لله لحقناها في الوقت المناسب. هي ساعة وتفوق وتطمن عليها.”

محمود أخد نفس طويل كأن الحياة ردت فيه، وقعد على الكرسي تاني ومسح وشه بكفوفه. رفع عينيه لأميرة، والنظرة اتغيرت من الخوف على مراته، لنظرة الشكر والذهول: محمود: “أنا مش عارف أقولك إيه… أنا لما شفتك جوا الدنيا لفت بيا. المكان ده، والظروف دي…” أميرة: “دي شغلي يا محمود، وده واجبي. رشا ست طيبة وتستاهل كل خير، ربنا يباركلك فيها وفي ابنك.” سكتوا هما الاتنين… سكون تقيل مليان كلام اتأجل لسنين طويلة.

حديث بعد منتصف الليل المستشفى هديت أكتر، ورشا اتنقلت أوضة عادية وكانت نايمة تحت تأثير البنج، والطفل في الحضانة. أميرة كانت واقفة عند الشباك الكبير في آخر الممر بتتفرج على المطر، ولقت محمود جاب كاسات قهوة وحط واحدة جنبها على السور. محمود (بصوت واطي): “سهير طنط عاملة إيه؟” أميرة: “أمي كبرت… وساعات بتقعد تفتكر الأيام القديمة وتندم على حاجات كتير.”

محمود (ابتسم بمرارة): “اللي فات مات يا أميرة. أنا مش زعلان من حد. يوم ما مشيت من هنا وسبتك، كنت حاسس إن الدنيا قفلت في وشي، بس لما رحت اسكندرية وقابلت رشا، لقيت حد يحبني زي ما أنا، من غير ما يستنى مني أبقى مهندس ولا صاحب شركات. رضيت بعيشتي، والحمد لله ربنا فتحها عليا وبقى عندي شغلي الخاص.” أميرة بصت للقهوة اللي في إيدها وقالت بصوت خفيض:

أميرة: “أنا حققت كل اللي كنت بحلم بيه يا محمود… بقيت الدكتورة المشهورة، وسافرت إنجلترا، وعملت اسم. بس اكتشفت إن النجاح دمه تقيل أوي لما تلاقيكي راجعة بيتك بالليل ومفيش حد تقوليله شاركني فرحتي. أنا اللي بعت الغالي برخيص عشان القاب وفشخرة فارغة.” محمود بص لها بأسى، ومسك كوباية القهوة بقوة وقال: “أنتِ مبعتيش يا أميرة… أنتِ اخترتي طريقك، وأنا اخترت طريقي. يمكن لو كنا كملنا مع بعض، كنتِ هتحسي بالندم إنك ضيعتي حلمك، وكنت أنا هحس بالصغر كل ما أشوفك متقدمة عني. ربنا بيقسم الأرزاق، ورزقك كان الطب، ورزقي كان القناعة ورشا.”

نهاية فصل وابتدة حقيقة جديدة ثاني يوم الصبح، أميرة دخلت تطمن على رشا قبل ما شفتها يخلص. رشا كانت كويسة ومسكت إيد أميرة بامتنان دموعها سابقة كلامها: رشا: “محمود حكالي إنك أنقذتيني أنا والولد… مش عارفة أوفيكي حقك إزاي يا دكتورة.” أميرة (ابتسمت بصدق وحبست دموعها): “حقك عليا إني أعمل شغلي يا رشا. أنتِ عندك زوج جدع وبيحبك أوي، خُدي بالك منه ومن الولد… وسميتوه إيه صحيح؟” رشا (بصت لمحمود بابتسامة): “سميناه (خالد)… على اسم أبوه الله يرحمه.”

خرجت أميرة من المستشفى والشمس بتشرق على شوارع القاهرة بعد ليلة المطر. مشيت ناحية عربيتها، حاسة بوزن تقيل انشال من على صدرها. لأول مرة من سنين، حست بالسلام. هي خسرت حب عمرها محمود كزوج، بس كسبت احترام نفسها، وعرفت إن الحياة مش دايماً بتدينا كل حاجة، لكن المهم إننا نرضى ونكمل. رفعت تلفونها واتصلت بوالدتها: أميرة: “ألو… إزيك يا ماما؟ أنا خلصت الشيفت وراجعة… حضريلي الشاي، عايزة أقعد معاكي ونحكي شويه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى