— مش ابنك يا ريان! — نور زعقت في وشه وهي بتمسح دمعة خانتها ونزلت على خدها — أبوه مات.. مات من عشر سنين يوم ما أخد بعضه واختفى وداس على كرامتي وقلبي وسابني للدنيا تأكل فيا! ريان اتسمر مكانه، ونظرته صدمتها.. النظرة مكنتش نظرة واحد نذل ولا هربان، كانت نظرة راجل مك.سور ومصد.وم، مسك راسه بإيديه وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه، ونطق بصوت مرتعش: — مات؟ أنا ممو.تش يا نور.. أنا اترميت في السجن عشر سنين!
نور وقفت مكانها، الصدمة شلت لسانها، عينيها وسعت وهي بتبص له ومش قادرة تستوعب الكلمة. ريان كمل وهو بيحاول يقرب منها، وصوته بيتق.طع من كتر الوجع: — أبويا.. أبويا الله يرحمه كان متورط في شيكات وقضايا نصب كبار، وحطوا السك.ينة على رقبته، وفي الليلة اللي اخت.فينا فيها، الشرطة جت أخدتنا من البيت قبل ما ألحق حتى أكتب لك ورقة.. شيلت القضايا كلها عن أبويا عشان كان راجل كبير ومش هيستحمل السجن، وأخدت حكم عشر سنين كاملين!
نور بلعت ريقها بالعافية، وجسمها كله بدأ يترعش، كأن حد ض.ربها على رأسها. ريان مسح وجهه بكفه وكمل والألم باين في كل كلمة: — لما دخلت السجن، أمي عقلها طار وزهدت الدنيا، وأنا مت من الجوع والخوف عليكِ.. أول حاجة عملتها لما خرجت من السجن السنة اللي فاتت إني جيت المنطقة وسألت عليكِ، الجيران قالوا لي إنك اتجوزتي وسافرتي القاهرة بعد ما أنا اختفيت بشهرين.. الدنيا اسودت في وشي وقلت خلاص.. راحت لغيري وعاشت حياتها، ومكنتش أعرف.. والله العظيم ما كنت أعرف إن اللي في بطنك ده كان مني ولا إنك بتواجهي كل ده لوحدك!
في اللحظة دي، فاروق جرى عليهم من بعيد وهو شايل شنطته، وضحكته المنورة مالية وشه، وقال بصوت طفولي مبهج: — مستر ريان! ماما! أنتوا واقفين بتتكلموا؟ مستر ريان هو حضرتك عارف ماما؟ اللحظة كانت تقيلة بشكل مرعب. ريان نزل على ركبتيه قدام فاروق، وعيونه دموعها نازلة بغزارة لأول مرة.. بص للولد، للعيون اللي شبه عيونه، وللضحكة اللي كانت في مرايته زمان. حط إيده على كتف فاروق وهو بيترعش وقال بصوت متقطع:
— أنا.. أنا وماما جيران من زمان أوي يا فاروق.. زماان أوي. فاروق بص لأمه بفرحة وقال: — بجد يا ماما؟ مستر ريان أشطر مدرس في المدرسة وأنا بحبه أوي! نور مكنتش قادرة تتنفس، المشاعر جواها كانت متضاربة بطريقة طاحنة؛ بين وجع عشر سنين، وعذاب الخيا.نة اللي اكتشفت إنها مكنتش خيانة، وبين نظرة ابنها للراجل اللي حرمه القدر منه طوال حياته. مسكت إيد فاروق بشدة وقالت بصوت مك.سور: — يلا يا فاروق عشان نروح.. طنط شهد مستنيانا.
رفعت عينيها وبصت لريان نظرة طويلة، مكنش فيها كره زي الأول، بس كان فيها تشتت وخوف شديد من المستقبل، ومشيت وهي بتجر فاروق وراها. في الليل، البيت كان هادي بس النا.ر كانت شاعلة في قلب نور. أمها دارين كانت قاعدة مستنية، ولما شهد حكت لها اللي حصل، دارين حطت إيدها على قلبها وقالت: — يعني الولد مظلوم؟ يعني ريان مكنش نذل وسابك؟ نور كانت قاعدة على السرير وضا.مة رجليها لصد.رها، وبتبص للفراغ:
— سجن عشر سنين يا أمي.. شال قضايا أبوه وعاش في الظلم كل ده.. وأنا كنت ببدل في قلبي وبكر.هه كل يوم. شهد قعدت جنبه وقالت لها: — بس المشكلة مش في اللي فات يا نور.. المشكلة في اللي جاي! ريان عرف إن فاروق ابنه، وتفتكري يسكت؟ راجل قعد عشر سنين في السجن، أول ما يطلع يكتشف إن عنده ابن من أطهر حب في حياته.. افتكري ريان هيسيب ابنه ويمشي؟
وفعلاً.. التليفون رن في نفس اللحظة. رقم غريب. نور ردت بحديث مرتعش: — ألو.. صوت ريان جاء من الناحية التانية، هادي بس صلب، صوت راجل معندوش حاجة يخسرها أكتر من اللي خسره:
— نور.. أنا مش هضغط عليكِ، ولا هاجي أعمل لك مشكلة قدام الناس ولا قدام فاروق.. بس فاروق ابني، وحقي وحقه نعرف بعض. أنا ضاع من عمري عشر سنين في الضلمة، ومش هسمح للضلمة تأخد مني ابني كمان.. بكرة بعد المدرسة لازم نقعد ونشوف هنقول للولد إيه.. يا إما نتكلم بوضوح، يا إما هجيب الورق والتظلمات وأثبت نسبي للولد بالقانون، حتى لو كان التمن إن المنطقة كلها تعرف الحقيقة. قفلت نور الخط، والد.موع نازلة على خدها.. كانت عارفة إن حياتها الهادية البسيطة انتهت، وإن الإعصار اللي بدأ من عشر سنين.. يادوب وصل لخاطرهم النهاردة!

