منوعات

جروب العيلة

الرسائل بدأت تنهال على الجروب زي المطر، وكلها سكاكين بتتغرس في ظهري: عمتو نادية: “عيب يا رانيا، الدهب عارية ومردودة، والست كتر خيرها سابتهالك كل السنين دي تسندي بيها طولك قدام الناس، جه الوقت ترجعي الأمانة لأصحابها!” منى: “أنا مصدومة بجد.. بقى طمعانة في دهب اخت جوزك اللي هتجوز بيه ابنها؟!” حاولت أدافع عن نفسي، كتبت بصوابع بتترعش: “يا جماعة افهموا، الغويشة دي أمي الله يرحمها شارياهالي ومعايا فاتورتها!”

لكن صفاء ردت في السكة بسرعة وذكاء خبيث: “فاتورة إيه يا رانيا؟ ما هو الدهب القديم كله شبه بعضه، إنتِ هتعملي لي ملعوبة عشان تاكلي حقي؟ ماشي.. أنا مش هتكلم في الجروب تاني، العيلة كلها عرفت حقيقتك.” دخلت في حالة ذهول، وبصيت لجوزي «أحمد» اللي كان قاعد جنب بيقرا الرسائل وساكت. “أحمد! إنت ساكت ليه؟ إنت مش عارف إن الغويشة دي أمي جايباهالي؟”

أحمد هَز راسه بقلة حيلة وقال بنبرة طردت أي أمل من قلبي: “يا رانيا.. أختي برضه مش هتبلي عليكي من الفراغ! يمكن فعلاً كان في اتفاق بينكم زمان وأنا معرفش؟ وبعدين أختي في ضيقة، لو معاكي حاجة ليها إديها أختها بلاش فضـ,ـايح في العيلة!” ساعتها فهمت إن العاصفة دي مش هتهدى بالرسائل ولا بالكلام.. العيلة كلها اعتبرتني “سـ,ـارقة” وطماعة، وجوزي نفسه شَك فيا. الدـ,ـم غلي في عروقي، وقررت إن الرد لازم يكون صدمة تعلّم على الكل.

مسكت التليفون وكتبت في جروب العيلة: “جمعة مباركة يا جماعة. عزومتكم عندي يوم الجمعة الجاية على الغدا بمناسبة قرب جواز ابن صفاء.. وعشان أرجع لصفاء غويشتها قدام العيلة كلها وبشهادتكم.” صفاء كتبت بسرعة: “أهو كدة العقل اشتغل.. هنيجي كلنا ونشوف الأمانة وهي بترجع.” طوال الأيام اللي سبقت الجمعة، كنت شغالّة في خطة هادية وبأعصاب من حديد. اتصلت بالصايغ القديم اللي أمي الله يرحمها كانت بتتعامل معاه من 10 سنين، وطلبت منه طلب خاص جدًا، وأخدت منه ورقة وختم، وحضّرت كل حاجة في سرية تامة.

وجاء يوم الجمعة.. بيتي كان مليان على آخره؛ أكتر من 30 شخص من كبار العيلة وصغارها. حماتي، وعمتو نادية، ومنى، وصفاء وابنها، والكل قاعد وعيونهم مليانة نظرات الاتهام والشـ,ـمت. صفاء كانت قاعدة وحاطة رجل على رجل، وبتبص لي بابتسامة نصر وقالت بصوت عالي وهي بتبص للحاضرين: “أنا بس مستعجبة، بقى بعد العمر ده كله يا رانيا تخليني أترجاكي عشان أخد دهبي؟ بس يلا.. مسامحاكي عشان خاطر أخويا.” وقفت في نص الصالة، والهدوء التام حل على المكان. بصيت لصفاء وابتسمت ابتسامة هادية جدًا:

“حقك عليّا يا صفاء.. فعلاً الأمانة لازم ترجع لأصحابها قدام الكل.” طلبت من جوزي أحمد يقف جنبي، وطلعت علبة قطيفة حمراء من شنطتي. فتحتها، وكانت الغويشة الـ 50 جرام بتلمع تحت إضاءة النجفة. صفاء عيونها لمعت بالشر والجشع، ومطت إيدها عشان تاخدها بسرعة، بس أنا سحبت العلبة خطوة لورا. صفاء اتعصبت: “إيه يا رانيا؟ هترجعي في كلامك تاني ولا إيه؟” قلت بنبرة ثابتة أذهلت الكل: “لا خالص يا صفاء.. بس قبل ما تاخديها، لازم العيلة تتأكد إن دي غويشتك.. عشان محدش يقول بعدين إني بدلتها ولا أديتك حاجة غير بتاعتك، صح؟”

حماتي اتدخلت بضيق: “يا رانيا خلصينا بقى، هي هتتبلى عليكي يعني؟” قلت بثقة: “استني بس يا حماتي.. الغويشة دي شغل يدوية قديم، وأمي الله يرحمها لما اشتريتها، خلت الصايغ يحفر جواها حرفين بالليزر عشان تتقاس كقطعة مميزة.. حرف اسم أمي وحرف اسمي (M & R).” صفاء وشها بدأ يصفرّ لحظة، بس استجمعت شجاعتها وقالت بتمثيل متقن: “أيوة أيوة! صح! أنا فاكرة الحفر ده كويس، ما أنا اللي سلفتهالك بالحرَفين دول عشان تحسي إنها بتاعتك وما تنحرجِش قدام الناس!”

هنا.. ابتسمت الابتسامة اللي كنت مستنياها بقالي أسبوع. طلعت من الشنطة عدسة مكبرة وشهادة معتمدة مختومة من الصاغة، ورسالة قديمة مطبوعة، ومديت العدسة لعمتو نادية (كبيرة العيلة): “اتفضلي يا عمتو نادية، بصي بالعدسة المكبّرة جوه الغويشة، وقولي للعيلة كلها مكتوب إيه من جوة.” عمتو نادية أخدت الغويشة والعدسة، وقربتها من عينها، وفجأة عيونها وسعت من الصدمة، وبصت لصفاء بذهول! نادية بصوت مرتعش: “دي.. دي مش مكتوب عليها (M & R)… دي مكتوب عليها بالبنط العريض: (إهداء من الحاجة فاطمة لابتها رانيا – 2015) وفيها الختم الخاسي بالورشة!”

الصالة كلها اتهزت بالهمس! وش صفاء اتقلب ألوان وأشكال، وبدأت تتلعثم: “إيه؟ لا.. اكيد دي غويشة ثانية! إنتِ بدلتِ الغويشة يا رانيا!” هنا طلعت المفاجأة الكبرى اللي قضت عليها تمامًا! فتحت تليفوني ووصلته بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، وعلّيت الصوت على الآخر.. تعرض تسجيل صوتي بصوت صفاء نفسها، ورسائل الواتساب الخاصة اللي بعتتهالي من سنتين لما كانت مزنوقة في فلوس! صوت صفاء في التسجيل كان واضح للكل:

(يا رانيا، بالله عليكِ متقوليش لأحمد، أنا محتاجة 20 ألف جنيه ضروري عشان سلفة عليا، وأنا عارفة إن معاكي دهبك بتاع جهازك، لو تقدرِ تسلفيني الغويشة الـ 50 جرام أرهنها أو أبيعها وأفك ديقتي، ولما ربنا يفرجها هردّهالك.. وحياة ولادك ما تكسفينِي ولا تفضحيني قدام أخويا!) الهدوء اللي حل في الصالة كان أرعب من أي صوت. صفاء وقفت مصدومة، مش قادرة تتنفس ولا تلاقي كلمة تقولها. العيلة كلها بصتلها بقرف واشمئزاز.

ملتفت لجوزي أحمد اللي كان واقوف وشّه في الأرض من الخزي والعار، وقلت له بصوت سمعوا الكل: “أنا سكت وسلفتها الفلوس زمان وما فضـ,ـحتهاش ورجعتلي دهبي لما سددت، وسكت لما اتهـ,ـتمتوني في شرفي وأمانتي قدام 30 شخص.. عشان أثبتلك يا أحمد إنك بعت مرتك وصدقت فيا الكذب لمجرد إنها أختك.” حماتي وقفت وزقت صفاء بعـ,ـنف وهي بتصرخ فيها: “يا فضـ,ـيحتنا! يا بؤرة الكذب! جاية تتهمي مرات أخوكي الشـ,ـريفة في حلالها وتتبلي عليها عشان تاخدي دهبها بالعافية؟!”

عمتو نادية قامت وقالت: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا صفاء، كلنا انخدعنا فيكي وجينا على الولية الظـ,ـالمة دي!” صفاء أخدت ابنها وخرجت تجري من الشقة وهي بتعيط من الخزي، والعيلة كلها بدأت تعتذر لي واحد ورا التاني وهي مش قادرة تبص في عيني. أما أحمد جوزي، فجالي وحاول يمسك إيدي وهو بيبكي وبيترجاني أسامحه.. مسكت علبة الدهب، وقفلتهالك بالراحة، وبصيت له وقلت له جملة واحدة نزلِت عليه زي الصاعقة:

“الدهب أهو معايا يا أحمد ومحدش قدر ياخده.. بس أنت اللي خسرت مكانتك عندي، والبيت ده مش هدخله تاني إلا لما تعرف يعني إيه تصون كرامة مراتك.” أخدت شنطتي ودهبي، وخرجت من البيت مرفوعة الراس قدام العيلة كلها، وسبتهم في ذهول وندم مش هينسوه طول حياتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى