منوعات

بنتي صحيت من النوم

سحبت نفسي من جنب تاليا بالعافية بعد ما تأكدت إنها راحت في النوم، دموعي كانت بتنزل بسكوت وركبي مش شايلاني. الرعب كان عمياء، بس غريزة الأمومة جوايا كانت بتصرخ: الخوف مش هيحميكي، ولا هيحمي بنتك. أول حاجة عملتها إني قمت تفقدت الترباس والشبابيك.. كله مقفول وزي الفل. إزاي حد بيدخل؟ ومنين؟ عقلي بدأ يربط الخيوط ببعضها.. افتكرت إن بقالي أسبوعين صحتي مش تمام، بصحى الصبح جسمي مكسر ومصدعة صداع رهيب، وكان عندي دايماً طعم مر في بوقي. افتكرت كمان العصير والمية اللي كنت بنسى كوباياتهم على رخامة المطبخ قبل ما أنام. هل يعقل؟ هل في حد بيحطلي حاجة أنام بيها؟

قررت إني مش هنام الليلة دي، بس هعمل نفسي نايمة. دخلت المطبخ ورميت كباية المية اللي كنت بقرأ فيها أو بشربها كل ليلة، وما قربتش من أي أكل أو شرب. ورجعت الأوضة، حضنت تاليا، وغمضت عيني.. وشغلت تسجيل الصوتي في تليفوني وحطيته تحت المخاد، وثبت كاميرا التليفون التاني على زاوية موجهة لباب الأوضة ومستخبية بين الهدوم على الكومودينو. الساعة عدت 12.. بعدين 1.. بعدين 2.. الهدوء في الشقة كان مرعب، صوت دقات قلبي كان كأنه طبول حرب. فجأة.. حوالي الساعة 2:30 صباحاً، سمعت صوت حركة خفيفة جداً، تكة المفتاح في باب الشقة البراني!

دمي اتجمد. التكة دي مش غريبة عليا.. دي تكة مفتاح أصلية، مش مفتاح متقلد ولا حد بيكسر الباب! الخطوات كانت بطيئة ومحسوبة، حافي القدمين أو بيلبس شراب عشان ما يعملش صوت. الصوت قرب من باب أوضة النوم.. الباب اتفتح براحة أوي، والضوء الضعيف بتاع الصالة عكس خيال راجل واقف على الباب. كنت مثبتة جسمي بالعافية، كاتمة أنفاسي ومغمضة عيني نص غمضة من تحت الرموش. الراجل قرب من السرير، وطلّع من جيبه حاجة.. شوكولاتة صغيرة، وحطها جنب تاليا اللي بدأت تتحرك وتنتبه. وسمعته بيمسد على شعرها وبيهمس بنفس الصوت اللي بنتي وصفته: “شششش.. سرنا، صح؟”

وبعدين لف ناحيتي.. حط إيده على وشي، وبدأ يحرك إيده بجرأة وبشاعة. في اللحظة دي، النور ضـ,ـرب في عقلي وعرفته من ريحة العطر وطريقة حركته! ده كان “عم سامح”.. البواب بتاع العمارة! الراجل العجوز الطيب اللي الكل بيحلف بأخلاقه، اللي كنت بأمنه على المفاتيح لما نقلت عشان يركب السباكة ويكهرب الشقة قبل ما أسكن! اتاري الراجل استغل وجود المفاتيح معاه واحتفظ بـ “نسخة” عملاقة من مفتاح الشقة! وكان بيدخل المطبخ من بلكونة السلم الخلفية أو يفتح يدخل للرخامة يرمي نقط المنوم في كوز المية اللي بشرب منه ليلاتي!

الدـ,ـم غلي في عروقي. الرعب تحول في ثانية لغضب أعمى ووحشي. بدل ما أصرخ، استنيت لما إيده تقرب أكتر.. وفي لحظة خاطفة، مسكت إيده بكل قوتي، وغرست ضوافري في جلده، وصرخت بأعلى صوت عندي هز جدران العمارة: “يا حرامييي! يا مجرم!” الراجل اتخض خضة عمره، ما كانش متوقع إني صاحية أو حاسة بيه بسبب المنوم. حاول يشد إيده ويرقعني بضـ,ـربة، بس أنا مسكت فيه زي اللبوة اللي بتدافع عن أشبالها، ضـ,ـربته بآباجورة الكومودينو بكل غلي، وتاليا قامت تصرخ وتعيط.

الربكة اللي حصلت والمقاومة خلت الراجل يتكعبل ويقع، ويجري على باب الشقة في رعب، وأنا وراه بصوت صريخ حييل العمارة كلها. الجيران في العمارة صحوا على الصريخ والتخبيط، ونزلوا بسرعة يجروا على السلم ولقوه بيحاول يهرب ومفتاح شقتي في إيده! الجيران مسكوه وكتفوه، وأنا خرجت وأنا بترجف، تليفوني في إيدي وفيه تسجيل الفيديو والصوت اللي بيفضـ,ـحه ويثبت دخوله الشقة ومحاولة الاعتـ,ـداء والتسلل. النهاية: الشرطة جت في خلال دقائق، وأخدوا سامح والبلاغ اتقيد بتهم انتهـ,ـاك حرمة منزل، ودس مواد مخـ,ـدرة، ومحاولة اعـ,ـتداء. التليفون والفيديو كانوا الدليل القاطع اللي ما سابش له أي فرصة لإنكار الجـ,ـريمة، وصدر عليه حكم مشدد بالسجن.

أنا وتاليا سيبنا الشقة دي في نفس اليوم، ورجعت قعدت فترة مع بيت أهلي عشان نسترد أماننا ونفسيتنا. تاليا أخدت جلسات علاج نفسي بسيط عشان تتجاوز الخوف ده، ومع الوقت، ورؤيتها لإنه اتقبض عليه والشرطة أخدته، الخوف بدأ يختفي من عينيها، ورجعت ضحكتها تنور البيت من جديد. تعلمت الدرس الأقسى في حياتي: الأمان مش مجرد باب مقفول، الأمان إننا نصدق أطفالنا من أول همسة، ونغير كل الكوالين والمفاتيح فوراً لما ندخل أي بيت جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى