منوعات

عزمة اول يوم رمضان

كتمت زعلى في قلبي، وقلت لسامح بصوت واطي: “معلش.. هي تعبانة من الصيام”. سامح اكتفى بنظرة انكسار ورجاء إنّي أعدي الموضوع، وبسرعة دخلت المطبخ أحضر السفرة قبل الأذان ببيتين. رصيت الأكل بأفضل شكل: البط المحمر، محشي ورق العنب اللي طالع مرصوف كأنه لوحة، الشوربة، والطباق بتلمع. الله أكبر.. انطلق أذان المغرب. قعدنا على السفرة. سامح سمّى الله، وحماتي قعدت على رأس الطاولة بنظرات متفحصة. أخدت المعلقة، غرفت من شوربة لسان العصفور، ودوّقتها بطرف لسانها.. الشارع كله كان ساكت، وأنا واقفة بحبس أنفاسي ومستنية الكلمة الطيبة اللي تجبر بخاطري بعد تعب اليوم كله.

وفجأة.. من غير أي مقدمات، وشها اتغير، وعينيها احمرت من الغضب! وبكل ما فيها من قسوة، رمت المعلقة في وشي بكل قوتها! المعلقة خبطت في خدي ورشت الشوربة السخنة على هدومي. الكل اتصدم. سارة أخت جوزي شهقت، وسامح وقَف مذهول. صرخت الحاجة صفية بصوت هز الشقة: “إيه القرف ده؟! بتأكليني سم في أول يوم رمضان؟! الشوربة مالحّة زي مية البحر! أنتِ قاصدة تضايقيني وتنكدي عليا عشان ماجيش هنا تاني؟!”

دموعي نزلت من غير إرادة، مش من وجع الخبطة، لكن من الإهانة وكسرة النفس قدام جوزي وأخته. بصيت لسامح وأنا مستنية منه موقفي، مستنية يقول لأمه “حدودك لحد هنا يا أمي.. نادية بقالها الفجر واقفة في المطبخ عشانك”. لكن سامح.. وطي رأسه للأرض وقال بصوت خافت ويرتعش: “معلش يا أمي.. حقك عليا، أكيد هي ما تقصدش، هاتي أعملك شوربة غيرها”.

في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت وتصلحت في نفس الوقت. عرفت إن الخوف عمى سامح، وإن السكوت عن الإهـ,ـانة دي مش هيبني بيت، ده بيهدم كرامتي. مسحت الدمعة اللي على خدي، وبصيت لحماتي بثبات نابع من وجعي، وقلت بصوت هادي جدًا بس يزن جبال: “رمي المعلقة في وشي مش عشان الشوربة مالحة يا حاجة صفية.. المعلقة اترمت عشان أنتِ مش قادرة تشوفي ابنك مرتاح معايا. وأنا المساحة دي من بيتي، كرامتي فيها خط أحمر”.

حماتي اتفاجئت، وقامت وقفت بغضب: “أنتِ بتمشيني من بيت ابني؟!” رديت بكسرة نفس بس بكرامة: “ده بيت جوزي وبيتي، وأهلاً بيكي في أي وقت تشرفينا كأم.. بس وأنتِ حاطة احترام للبيت ولصاحبته. الشوربة لو مش عاجباكي كانت تتركن على جنب، لكن الإهانة دي أنا مش هقبلها تاني”. التفت لسامح وقلت له: “أنا نازلة رايحة لأهلي يا سامح.. والأكل اللي على السفرة ده أنا عملته بحب وتعب، كلوه بالهنا والشفا. ولما تعرف تحط حد للإهـ,ـانة اللي اتعرضت لها في بيتك.. ابقى تعال كلمني”.

أخدت شنطتي وخرجت والباب بيتقفل ورايا. سامح حاول يلحقني على السلم، بس ما أديتوش فرصة. قضيت باقي أول يوم رمضان في بيت أبويا وأنا قلبي مقهور، بس حسيت براحة إنّي ما سكتش على حقي. مرت ثلاث أيام.. سامح كان بيتصل كل ساعة، وحماتي حاولت تقلب العيلة عليا وتتهمني بإني قليلة الأدب ورميت يمين الطلاق. بس المرة دي، أهلي وقفوا ضهر ليا، وسامح لما لقاني متمسكة بموقفي ورافضة أرجع للوضع القديم، بدأ يستوعب إن الخوف من أمه هيخسره مراته وبيته.

في اليوم الرابع، جالي سامح بيت أهلي لوحده.. كان باين عليه التعب وندمان. قعد مع أبويا واعتذر لي قدام الكل، وتعهد إن معاملة أمه ليا من بكرة ورايح هيكون ليها حدود صارمة، وإن زيارتها لينا هتبقى بحدود احترام متقابل، ومش هيسمح بأي كلمة تجرحني تاني. رجعت بيتي، المشكلة ما اختفتش بسحر بليلة وضحاها، والحاجة صفية ما بقتش ملاك، بس معاملتها معايا اتغيرت تمامًا.. بقت بتحسب ألف حساب قبل ما تقول كلمة تجـ,ـرحني، لأنها عرفت إن نادية الطيبّة عندها خط أحمر اسمه “الكرامة”.. وسامح اتعلم أخيرًا يعني إيه يكون راجل ويوفر الحماية لبيته ومراته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى