أول ما أبوها قال كلمة «معاها الشرطة»، البيت اتحول لساحة من الفوضى.. جوزي جِرِي على باب الشقة وقَفَله بالمفتاح وأيده بتترعش، كان بيحاول يخبي الوش اللي اتكشف وفَضَحه أقرب الناس ليه. بص لي وهو بيتنفس بسرعة، وعينيه رايحة جاية بيني وبين الباب، وقال بصوت مكتوم: — محمود.. أنت بتعمل إيه؟ أنت عاوز تخرب بيتي وتودي بنتك في داهية؟! أبو ضرتي —الراجل الكبيرة اللي كنت فاكراه جاي يتبغدد علينا على السفرة— وقَف بكل ثبات، وبص لصهره بنظرة احتقار وقال:
— البيت مكسور ومخروب من اليوم اللي فكرت فيه تسرق أيتام، ومن اليوم اللي بنتي وافقتك فيه على الحرام! أنا جيت النهاردة مش عشان آكل وأشرب.. أنا جيت عشان أنضف الذنب اللي بنتي شاركتك فيه قبل ما أواجه ربنا. في اللحظة دي، ضرتي كانت قاعدة على الأرض بتعيط بانهيار، قعدت تزحف ناحية أبوها وتمسك في رجله: — يابا استر عليا! يابا أنا بنتك الوحيدة! هتحبسني عشان خاطر دول؟! أبوها زحف رجله بعيد عنها بصدمة وجع، والدمعة نزلَت من عينه:
— أنا بربيكِ على الأصول يا “سهام”.. تسوري بطاقة بنت جوزك؟ تاخدي بنت أختك الشابة اللي شبهها وتخليها تبصم وتوقع في الشهر العقاري إنها البنت الكبيرة وتسرقوا حق القُصّر؟ فاكرة إن الفلوس اللي كنتِ بتاخديها مني وتسافري بيها وتشتري بيها ذهب دي كانت من شطارة جوزك؟ دي كانت من شقا الراجل الميت اللي آمنكم على بيته وبناته! أنا كنت واقفة مش قادرة أستوعب. المعاني كانت بتضــ,,ـــــرب في دماغي زي الصواعق.
يعني المرحوم أبويا.. الراجل الطيب اللي مات وهو خايف عليا وعلى بناتي، كان قاري المستقبل؟ كان عارف إن الجوازة دي مالهاش أمان، فأنقذ البيت من البنك وسجله باسم بناتي من 12 سنة، وحط بند يضمن إن لو أذاهم أو حرمهم من حقهم يفقد الوصاية؟ بصيت لبناتي.. التلاتة كانوا حــ,,ـــــضنين بعض ورايا، البنت الكبيرة “مريم” كانت بتعيط ومصدومة إن اسمها وبطاقتها اتزوروا عشان يتردوا في الشارع. وفجأة.. خبط قوي ورنان هز الباب!
— افتح يا “حسن”! معانا أمر من النيابة ضبط وإحضار! جوزي اتسمر مكانه. بَص لسهام اللي كانت غرقانة في دموعها، وبعدين بصلي أنا وقال بصوت مرعوب: — “نعمة”.. قولي لهم دي مشكلة عائلية! قولي إنك مسامحة! عشان خاطر السنين اللي بيننا، عشان خاطر البنات! بصيت له بكل وجع السنين اللي فاتت. افتكرت لما كنت بقف في المطبخ بالساعات أطبخ أحسن الأكل لأهله وأهل ضرتي، وافتكرت بنتي الصغيرة لما سألتني: «إحنا مستخبيين من مين يا ماما؟»
افتكرت بواقي الأكل اللي كنا بناكلها على ترابيزة المطبخ الصغنونة والضحك المجلجل طالع من الصالة.. قلت له بنبرة أبرد من التلج: — السنين اللي بيننا أنت مسحتها لما كلت حق بناتي.. ولما خليتني أخدم في بيتي وأنا فاكراه بيتك. الباب ده مش أنا اللي هفتحه.. القانون هو اللي هيفتحه. أبو سهام قرب من الباب وفتحه على طول. كان واقف بره ضابط شرطة، ووراه أمين شرطة وبنت شابة متكلبشة في إيديه.. كانت بنت أخت سهام، وشها في الأرض وميتة من الرعب.
الضابط دخل الصالة وبص في الأوراق اللي معاه: — المتهم “حسن…” والمتهمة “سهام…”؟ أبو سهام رد بثبات: — أيوه يا باشا.. هم دول. وهات التسجيل الصوتي ده كمان، فيه إقرار منها بمخطط التنازل، والعقد المزيف أهو. جوزي اترمى على ركبه بيترجى الضابط، وسهام صرخاتها جابت آخر الشارع وهي بتتجرجر مع بنت أختها للبوكس. في دقائق معدودة، الشقة اللي كانت زحمة دوشة وضحك مزيف، فضيت تماماً.. ماببقاش فيها غير أنا وبناتي التلاتة.. وأبو سهام.
الراجل العجوز قعد على الكرسي، مكسور ومطأطأ رأسه. طلع من جيبه المفاتيح الأصلية للشقة اللي فوق، وحطها على الترابيزة جنب عقود الملكية الصحيحة. بصلي وقال بصوت مخنوق: — أنا آسف يا بنتي.. آسف إن بنتي كانت سبب في ظلــ,,ـــــمكم. أنا لما اكتشفت التزوير بالصدفة في أوراقها، وحققت معاها وعرفت اللي عملوه فيكِ وفي البنات.. عرفت إن ربنا أرسلني عشان أرد الحق لأصحابه قبل ما أقابله. البيت ده بتاع مريم وأخواتها.. والشقة اللي فوق هتنزل في المزاد لصالح تعويض البنات عن السنوات اللي اتسرقت من حظهم.
ما قدرتش أرد عليه غير بدموع.. بس المرة دي كانت دموع ارتياح. النهاية: مرت 6 شهور على الليلة دي.. القانون أخد مجراه؛ حسن وسهام وبنت أختها أخدوا أحكام بالسجــ,,ـــــن بتهمة التزوير في أوراق رسمية والنصب والاستيلاء على أموال قُصّر. الشقة اللي فوق اتباعت في المزاد العني والفلوس اتحطت في البنك باسم بناتي تحت حراسة المجلس الحسبي. أنا وبناتي ما سيبناش البيت.. بالعكس، غيّرنا كل حاجة فيه. هدّينا حيطة المطبخ القديم وفتحناه على الصالة.. والسفرة الكبيرة اللي كنت ممنوعة أقعد عليها، بقيت أقعد أنا وبناتي عليها كل يوم، بناكل ونضحك ونردد كلام أبويا الله يرحمه.
بنتي الصغيرة قعدت في حــ,,ـــــضني في يوم وقالتلي: — ماما.. إحنا خلاص مش مستخبيين؟ بست رأسها وقلت لها: — لا يا حبيبتي.. إحنا أصحاب البيت، والشمس خلاص طلعت عليه. العبرة: الظلــ,,ـــــم ليلته قصيرة، والمال الحرام بيخرج من صحبة أهله، وحق اليتيم والضعيف لو نام صاحبه.. فرب العرش ما بينامش.