منوعات

اول يوم قبض جوزي المعاشه

الجزء الثالث والأخير: “حصاد القرارات” مرت ثلاثة أشهر على ذلك اليوم. ثلاثة أشهر كانت كفيلة بأن تقلب موازين البيت رأسًا على عقب. أصبح الروتين اليومي في البيت مختلفًا تمامًا؛ أستيقظ في الثامنة صباحًا بعد أن أكون قد شبعت نومًا، أشرب قهوتي باللبن في البلكونة وسط أواني الورد الجديدة التي اشتريتها، ثم أرتدي ملابسي الأنيقة وأخرج. أحيانًا لحضور ورشة الخط العربي، وأحيانًا أخرى للتجمع مع زميلاتي المتقاعدات في النادي. في المقابل، كان حسن وكريم يعيشان في “دوامة حسابية” لا تنتهي.

حسن، الذي اعتاد على مدار ثلاثين عامًا أن يجد مصروف جيبه معطرًا وموضوعًا على تسريحته، وأنه لا يحمل هم بنزين السيارة ولا صيانة البيت، وجد نفسه لأول مرة مفلسًا في اليوم العاشر من الشهر! أما كريم، فقد اضطر لأول مرة في حياته أن يقلل من خروجاته مع أصدقائه، وأن يدفع القسط الأدنى لبطاقته الائتمانية بنفسه، مما جعله يعيش طوال الشهر على “الكفاف”. في منتصف الشهر الرابع، حدث ما كنت أنتظره.

كان المساء هادئًا، وكنت أرسم لوحة زهرية في الصالة. فجأة، دخل حسن ومعه كريم، وكانت علامات الإرهاق والتجهم واضحة على وجهيهما. جلس حسن أمامي، وحاول أن يبتسم ابتسامة باهتة: — منى.. ممكن نتكلم شوية؟ وضعت الفرشاة جانبًا وقلت بابتسامة متزنة: — اتفضل يا حسن. تنحنح نفس النحنحة القديمة، لكن هذه المرة لم تكن تخرج من موضع قوة، بل من انكسار واضح: — منى.. الوضع بقى صعب أوي. أنا بقالي شهرين باخد مصروف جيب من كريم.. وكريم مرتبه أصلاً مش مكفيه، وبقى بيمشي بالعافية. العربية محتاجة صيانة وأنا مش قادر أعملها، وقسط التأمين نزل وأنا مش عارف أسدده.

كريم أردف بقلة حيل: — يا ماما.. أنا السفرية اللي أصحابي طالعينها الشهر ده مش هعرف أطلعها، ومظهري بقى وحش قدامهم. إحنا فعلاً مش عارفين نعيش كدة. بصيت لثنيناتهم بهدوء، وقلت: — طب ما حل المشكلة بسيط جدًا وموجود في إيديكم. حسن بلهفة: — إزاي؟ هتكتبي عقد المدرسة وترجعي تدرسي؟ ابتسمت بسخرية خفيفة وقلت: — لأ طبعًا.. أنا خلاص نسيت طريق المدرسة. الحل إنك ترجع في قرارك.. وتقلل المبلغ اللي بتبعته لأم محمد. بدل ما تبعت المعاش كله، ابعت ألفين جنيه مثلاً، واسترد باقي معاشك يعيشك أنت وابنك كرمتكما.

وجه حسن اصفرّ، وقال بتوتر: — إزاي بس يا منى؟ أقولها إيه؟ أنا بقالي أربع شهور ببعتلها المعاش كاملاً ومستقرين على كدة! لو قللته هي وزوجة ابنها هيزعلوا وياخدوا موقف.. وهيبان إني بصرّف كلامي! هنا، لم أستطع أن أتمالك نفسي، وضحكت بصوت عالٍ. — يعني أنت خايف على “منظرك” قدام مرات أخوك، ومش خايف على كرامتك وأنت بتستلف المصروف من ابنك اللي مرتبه يدوب يكفيه؟ خايف يزعلوا إنك بتبعتلهم “ألفين” بدل “تسعة”، ومش خايف إن بيتك بيتداعى؟

سكت حسن تمامًا، ولم يجد حرفًا يرد به. في تلك اللحظة، رن جرس الباب. فتح كريم، وكانت المفاجأة: أم محمد وابنها محمد! دخلا وبيدهما علبة حلوى، والابتسامة تمتد من الأذن للأذن. أم محمد: — السلام عليكم يا جماعة! قلنا نيجي نسلم عليكم ونشكروك يا حسن يا أخويا على الخير اللي بتعمله معانا. جلسوا في الصالة. أم محمد كانت تتحدث بدلال وزوجها المتوفى حاضر في كل جملة، ومحمد يتصفح هاتفه بلامبالاة.

وفجأة، فتح محمد موضوعًا جديدًا: — والله يا عمي حسن، أنا كنت عايز أستأذنك في حاجة.. أنا بفكر أغير عربيتي وأجيب موديل أحدث، ومحتاج حوالي أربعين ألف جنيه مقدم.. فقلت لو حضرتك معاك مبلغ مركون أو تقدر تتصرفلي فيهم، وتسددهم من المعاش الشهور الجاية؟ ساد الصمت الغرفة. حسن نظر إليّ بذعر.. كان يعرف أنه لا يملك في حسابه حتى أربعة آلاف جنيه. كريم نظر لمحمد بصدمة؛ فهو يعاني ليسدد فيزته الخاصة، ومحمد يفكر في تغيير سيارته لموديل أحدث!

هنا، قررت أن أتدخل بأرقى وأهدى طريقة ممكنة. قلت بابتسامة عريضة: — ألف مبروك مقدماً يا محمد.. بس للأسف عمك حسن مش هيقدر يساعدك. أم محمد استغربت وقالت: — ليه بس يا أم كريم؟ الخير كتير والحمد لله، وحسن طول عمره شايلنا. قلت بنبرة واثقة وواضحة: — الخير بخير صاحبه يا أم محمد. عمك حسن اتبرع بمعاشه كله لكم بقاله أربع شهور، وللأسف هو من ساعتها بيستلف مصروف جيبه من كريم، والبيت هنا عايش على معاشي أنا وبس.. وبصراحة، الوضع ده ينتهي النهارده.

وجه أم محمد اتغير، ومحمد بصلها باستغراب: — إيه؟ يعني إيه عايشين على معاشك؟ كملت كلامي وأنا بوجه كلامي لحسن مباشرة: — حسن.. قدامك خيارين لا ثالث لهما: يا إما من الشهر الجاي تبعت لأم محمد جزء منطقي من معاشك (ألفين جنيه كثر خيرك)، وترجع باقي المعاش لبيتك ونعيش معززين مكرمين.. يا إما تستمر في إعطاء المعاش كله، وساعتها أنا هفصل ميزانيتي تماماً؛ معاشي ليا ولأكلي ومصروفي، وأنت وكريم تصرفوا على البيت وعلى نفسكم من دخلكم، وساعتها تشوفوا هتدبروا أموركم إزاي.

أم محمد قامت وقالت بغضب مكتوم: — بقى كدة يا حسن؟ جايبنا عشان تخلي مراتك تذلنا وتمنّ علينا بالقرشين؟ حسن وقف وهو مرعوب من الموقف، لكنه هذه المرة نظر لزوجة أخيه، ثم نظر لابنه كريم الذي كان يبدو عليه الإرهاق والندم، ثم نظر إليّ وأنا أقف بكل ثبات وكرامة. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، استجمع حسن شجاعته وقال بصوت مرتجف ولكن جاد: — منى عندها حق يا أم محمد… أنا عملت حاجة فوق طاقتي عشان أرضيكم وجيت على بيتي وكرامتي. من الشهر الجاي، هبعتلكم ألفين جنيه شهرياً.. وده أقصى حاجة أقدر أقدمها.

أم محمد بصت له بصدمة، وأخذت ابنها وعلبة الحلوى، وخرجت وهي تمتم بكلمات عتاب وغضب. النهاية الواقعية لم تكن النهاية معجزة درامية تحول فيها الجميع إلى ملائكة، بل كانت نهاية واقعية جردت الحياة من الأوهام. أم محمد ومحمد ابتعدا قليلاً وتغيرت معاملتهما الجافة، لأن عطاء حسن الذي كان بلا حدود أصبح له حدود.. وهذا طبيعي مع من يعتاد الأخذ دون مقابل. أما حسن، فقد تعلم درسًا قاسيًا في إدارة حياته وأولوياته. عاد له حسابه ومعاشه، لكنه فقد تلك الهالة الوهمية بأنه “الرجل الكريم على حساب بيته”. أصبح يحسب خطواته جيدًا قبل أن يتخذ أي قرار يمس استقرار بيتنا.

وأما كريم، فقد كانت هذه التجربة أبلغ درس له في الرجولة والمسؤولية. بدأ يفهم قيمة الجنيه، وتوقف عن الاستدانة، وبدأ يتصرف كنضج حقيقي يعتمد على نفسه بدلاً من التبرع بجهد وفلوس غيره. أما أنا.. “منى”.. فقد كسبت أهم معركة في حياتي؛ معركة الحدود والكرامة. لم يخرب بيتي، ولم أرق دموعي في جدال بلا فائدة. كل ما فعلته هو أنني تركت مسرحية الأوهام تسقط لوحدها، ورسمت لنفسي حياة جديدة هادئة، أزرع فيها الورود، وأتعلم الخط العربي، وأعيش سنين تقاعدي كما أستحق تمامًا… بكرامة، وراحة بال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى