منوعات

رهف وزياد

مرت خمس سنوات على تلك الليلة السوداء. خمس سنوات كانت كفيلة بأن تمحو “رهف” القديمة، الضعيفة، التي تبكي على عتبات العيادات وتتوسل لزوج خذلها في منتصف الطريق. في نيويورك، لم تكن الحياة وردية. عملت رهف ليل نهار، درست وشاركت في تأسيس واحدة من أكبر شركات التصميم والديكور بالولايات المتحدة. أصبحت تُعرف في السوق باسم “المرأة الحديدية”، أنيقة، حادة الذكاء، ولا تبتسم إلا نادراً. أما ذلك الشاب الذي سكبت عليه القهوة في المطار؟ لم يكن سوى آدم الرفاعي، الملياردير المصري الأمريكي وصاحب أكبر سلسلة فنادق في الشرق الأوسط.

بدأت علاقتهما بصدام، ثم زمالة عمل، ثم قدرٍ أعمق؛ كان آدم هو السند الذي لم يطالبها بشيء، الوحيد الذي عرف قصتها ولم يرَ فيها سوى امرأة ظُـ,ـلمت وتستحق أن تشرق من جديد. لكن رهف ظلت تغلق قلبها بقفل من حديد، مُصرة على هدف واحد: العودة. في القاهرة، كانت الأحوال قد انقلبت رأساً على عقب.

زياد لم يذق طعم الراحة منذ أن فارقت رهف حياته. كبرياء والدته “نوال” أورثهم الخراب؛ تزوج من “حياة” بنت خالته، والتي لم تكن سوى امرأة استغلالية أنانية، حولت البيت إلى جحيم، واستنـ,ـزفت أموال زياد حتى أوشكت شركته العقارية المتوسطة على الإفلاس. نوال التي كانت تتحكم في الجميع، أصبحت تعاني من المرض والإهمال من كنةٍ لا ترحمها، وكان زياد يعيش كل يوم ويمـ,ـوت ألف مرة ندماً على رهف التي أضاعها من أجل المال والولد الذي لم يأتي أيضاً من حياة!

في صباح يوم مشمس بالقاهرة، ضجت الصحف الاقتصادية بحديث الساعة: “مجموعة الرفاعي العالمية تفتتح فرعها الأكبر في الشرق الأوسط بالشراكة مع الدكتورة رهف سليم، وتطرح مناقصة ضخمة لتطوير المجمع السكني الجديد.” كانت هذه هي طوق النجاة الوحيد لشركة زياد للنجاة من الإفلاس. قدم زياد أوراق شركته للمناقصة وهو لا يعلم من هي “الدكتورة رهف”، يدفعه الأمل الأخير للإنقاذ. في يوم الاجتماع لحسم المناقصة، دخل زياد ووالدته نوال -التي أصرت على الحضور لعلها تستطف عطف الإدارة الجديدة- إلى قاعة الاجتماعات الفخمة. كان الجميع يجلس بهيبة في انتظار رئيسة مجلس الإدارة.

تحرك الباب، ودخلت امرأة تخـ,ـطف الأنفاس؛ ترتدي بدلة رسمية سوداء أنيقة، شعرها مرفوع بثقة، وعيناها تحملان بريقاً من الكبرياء والصرامة. خلفها كان يسير آدم الرفاعي بكل هيبته. سقطت أوراق الملفات من يد زياد. اتسعت عينا نوال وشحبت بشرتها كالجـ,ـثة. “رهف؟!” همس زياد بصوت خنقته الصدمة. لم ترمش لرهف عين. جلت على رأس الطاولة، ونظرت إليهما برود تام كأنها تنظر إلى غريبين. قال آدم بابتسامة حادة: “أعرفكم بـ الشريكة التنفيذية والمصممة الرئيسية للمشروع، الدكتورة رهف.”

بدأ الاجتماع. استعرض زياد العرض بتلعثم ورعب، وعيناه لا تفارقان رهف، بينما كانت هي تدون ملاحظاتها بهدوء. وعندما انتهى، رفعت رأسها ونظرت إلى ملف شركته، ثم ألقته على الطاولة بإهمال: “عرض ضعيف، إمكانيات متهالكة، وشركة على وشك الإفلاس… العرض مرفوض.” قامت نوال بقلة حيلتها وصحيت بنبرة متوسلة لم تعتـ,ـدها: “رهف يا بنتي… أنتي رهف صح؟ كبرتي وبقيتي مهمة.. سامحينا يا بنتي، زياد كان مغصوب، وزياد لسه بيحبك، إحنا بنضيع يا رهف، الشراكة دي هتنقذنا!”

وقف آدم بحدة ليقاطعهما، لكن رهف رفعت يدها لتهدئته. قامت من مقعدها ببطء، وراحت تتمشى حول الطاولة حتى وصلت أمام زياد ونوال. ابتسمت ابتسامة باردة وزلزل صوتها القاعة: “يا مدام نوال… رهف الضعيفة التي جُرّت للعيادات وسُلب منها كل شيء ماتت من ٥ سنين. قيل لي يومها إنني سأترجاكِ.. واليوم، أنتي وابنك من تقفون أمامي لترجي الرحمة.” نظر إليها زياد بكسرة ودموع: “رهف.. أنا أكلني الندم كل يوم. أرجوكِ اديني فرصة أصلح اللي عملته، أنا طلقت حياة، مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعيلي!”

في هذه اللحظة، فتحت سكرتيرة رهف الباب ودخل طفل صغير في الرابعة من عمره، يشبه رهف كأنه قطعة منها، ويحمل في ملامحه ذكاءً حاداً. ركض الطفل نحو رهف وقدم لها رسمة صغيرة: “مامي! أستاذ آدم قال لي أنتظر هنا.” انقبض قلب زياد، وصرخت نوال: “دا… دا ولد؟! إزاي؟! الدكتورة رحمه قالت إن الحمل نزل!”

ضحكت رهف بصوت رنان مليء بالتهكم، ونظرت لنوال بثبات: “الدكتورة رحمة كانت ست شريفة عند نقطة معينة يا مدام نوال.. أخذت منكِ فلوسك، وادعت إنها أجهضتني، وسهلت لي الخروج من العيادة والهروب بالطفل في نفس الليلة! ابن زياد اللي حلمتي بيه ولغتِ إنسانيتك علشانه، كبر بعيد عنكم، وباسم عيلتي أنا، وميعرفش في الدنيا دي أب غير الراجل اللي صانه ورعاه..” أشارت رهف نحو آدم الذي تقدم وبسط يده ليمسك يد الطفل بحنان ووقوف بجانب رهف كالسد المنيع.

سقطت نوال على الكرسي وهي تبكي بحـ,ـرقة وندم يفتك بقلبها، بينما وقف زياد مشلولاً، لا يستطيع الاستيعاب: ابنه حي، لكنه ليس له، والمرأة التي أحبها ودمرها بنفسه، أصبحت في سحاب لا يطاله، وتزوجت برجل أسمى وأقوى منه بمراحل. قالت رهف أخيرًا وهي تنظر لرجال الأمن عند الباب: “أظن الاجتماع انتهى. أخرجوا هؤلاء الناس خارج المبنى… ولا تسمحوا بدخولهم هنا مجدداً.”

خرج زياد يجر قدميه ومعه أمه المهزومة، يخيمان تحت ظل الخيبة والفقر والندم الذي سيرافقهما طوال العمر. أما رهف، فنظرت من نافذة مكتبها البانورامية إلى سماء القاهرة، ونفثت تنهيدة طويلة أخيرًا… تنهيدة التحرر، ثم التفتت إلى آدم وابنها، لتبدأ قصتها الحقيقية التي تستحقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى