قفلت باب الشقة ورايا بهدوء، مش هبدته زي كل مرة كنت بخرج فيها زعلانة. المرة دي الخروج كان مختلف.. كان خروج بلا رجعة. نزلت السلالم ورجليا بتلعب من الوجع والضعف، لكن عقلي كان صاحي ومُدرك لكل خطوة. ركبت أول عربية تُقبلني، وحطيت شنطتي في حضني. بصيت في مراية العربية الشفافة وشفافية الشارع، وشفت الوشم الأحمر بتاع الحرق على رقبتي وخدي.. كان بيوجع، بس وجع قلبي كان أشد، والأهم إن الخوف كان اختفى تماماً واحل محله برود مريب.
أحمد رجع البيت الساعة تمانية بالليل. كان داخل ورجليه واثقة، فاكر إنه هيلاقيني قاعدة في الأوضة بعيط، أو مستنية أتسحب واعتذر له عشان يرضى عني زي ما عوّدني في الست سنين اللي فاتوا. فتح الباب، الشقة كانت ضلمة وساكتة. ريحة الشاي والمطبخ المحروق لسه في الجو. نادى بصوت عالي وفيه نبرة تعالٍ: -“يا هانم! جيتي من المستشفى ولا لسه بتعملي دراما؟” محدش رد. مشى بخطوات بطيئة ناحية المطبخ عشان يشرب مية. ولع النور، وعينيه وقعت على نص الترابيزة..
كان فيه تقرير المستشفى الناصع البياض، وعلى حرفه الدبلة الذهبية اللي كانت محبوسة في صباعي ست سنين. أحمد ابتسم باستهزاء وقرب، مسك الدبلة بصباعين وقال بصوت واطي: -“فاكرة نفسك بتضغط عليا يعني؟ ماشي.. هنشوف مين اللي هيحتاج التاني.” لكن لما رفع الدبلة ومسك التقرير عشان يقطعه، اكتشف إن الدبلة ما كانتش محطوطة على التقرير بس.. كانت مغطية على كارت ميموري صغير وجنبه ورقة مطبوعة من البنك مع إخطار رسمي من النيابة العامة!
أحمد ايديه بدأت تترعش بنفس الطرق اللي كانت إيديا بترتعش بيها الصبح. الورقة اللي تحت الدبلة كانت إلغاء التوكيل العام الشامل اللي كان واخده مني من يوم جوازنا، ومستندات تثبت إن الشركة والمقر اللي بيتباهى بيهم قدام أهله وصحابه، والفيلا اللي بيبنيها في الساحل، كلهم متسجلين باسمي ورأس مالهم كان من ورث أبويا الله يرحمه اللي خلاه يستثمره باسمي لحمايته من الضرائب!
مش بس كده.. الكارت الميموري كان عليه تسجيلات وصور لكل تحويل مالي عمله لحساب أخته شيماء ولأهله بدون علمي من حساباتي الشخصية، وبالمستندات دي، المحامي بتاعي كان أخد خطوة فورية قبل ما اخرج من المستشفى: تحفظ تحفظي على الحسابات وتجميد كل أصول الشركة لحين الفصل في قضايا الاختلاس وتبديد أموال الزوجة! في نفس اللحظة، تليفون أحمد رن. كانت شيماء أخته، بتتكلم بصوت هستيري وبتبكي: -“أحمد! الفيزا واقفة! جيت أسحب فلوس من الماكينة الكارت اتسحب، والبنك بيقولي الحسابات كلها متجمدة وفيها إيقاف قضائي! في إيه يا أحمد؟ هي السنيورة عملت إيه؟”
أحمد ما قدرش يرد.. التليفون وقع من إيده على الأرض. الراجل اللي كان فاكر إن القوة في العنف والتسلط، اكتشف في لحظة إن كل الشبحنة والرسميات اللي كان عايش فيها قدام أهله والمجتمع كانت بفلوس الست اللي حرق وشها الصبح وشتمها وطرادها! في نفس الوقت ده، أنا كنت قاعدة في كافيه هادي في المعادي، قدامي كوباية عصير دافية، وجنبي المحامي بتاعي الأستاذ فريد. بصلي وقال بثقة: -“التقرير الطبي حرز رسمي في محضر الضرب والاعتداء، وإلغاء التوكيل والتجميد تموا بنجاح. أحمد قدامه 24 ساعة وهيلاقي نفسه مطرود من الشركة وممنوع من التصرف في أي جنيه، وغير قضية التبديد والخلع للضرر.”
مسحت دموعي بالراحة عشان ما ألمسش الجرح اللي في وشي، وابتسمت لأول مرة من ست سنين.. ابتسامة وجع بس فيها طعم الحرية. أحمد حاول يكلمني مية مرة، بعتلي مسجات من أرقام مختلفة، من التهديد للترجي، ومن الشتيمة للبكاء.. أخته شيماء جت لحد بيت أهلي تبكي وتترجى وتقول: “ده أخوكي وسندك، الدم عمره ما يبقى مية!” رديت عليها بكلمة واحدة من ورا الباب: -“الدم لما بيبقى فاسد.. لازم يترمى.”
عدت الأيام، وأحمد خسر كل حاجة: برستيجه قدام الناس، فلوسه اللي كان بيباهي بيها، وكرامته اللي ضاعت في أروقة المحاكم. وأنا أخدت حقي بالقانون، وبدأت أرمم روحي ووشي اللي التأم جرحه مع الوقت، بس الندبة اللي في قلبي علمتني درس عمره ما يتنسى: “اللي يسومك على كرامتك ويهينك باسم الحب أو العيلة.. ما يستاهلش حتي إنك تبص وراك وأنت ماشي.” #حكايات_مشيره_محمد