تنفس شريف الصعداء للضغط الشعبي الذي تشكل ضدي. ابتسم ابتسامة خفيفة لم يلاحظها أحد غيري، وقال وهو يمد يده يحاول إمساك يدي بالقوة: — تعالي معايا يا دكتورة.. الكشف بس.. طمنيني عليها مش أكتر! سحبت يدي بسرعة وقفت بقامتي كاملة. نظر الجميع لي في صمت مفاجئ. قلت بصوت ثابت، نبرته تحمل كل السلطة العلمية والقانونية التي أملكها، ووجّهت كلامي مباشرة إلى دينا المضيفة:
— كابتن الطائرة مسيطر على الرحلة قانونيًا وطبيًا. وفقًا للوائح الطيران المدني الدولي، أي تدخل طبي على متن الطائرة بدون توثيق رسمي في سجل الرحلة، وبدون تسجيل كل مؤشر حيوي قبل وبعد أي فحص، يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، وأنا مش هخالف القانون. ثم التفتّ إلى شريف، وابتسمت ابتسامة باردة جعلته يتراجع خطوة للوراء: — أستاذ شريف.. حضرتك بتقول إن زوجتك بتموت وفيه خطر على حياتها، صح؟ قال وهو يتلعثم:
— أ.. أيوة! طبعًا! — جميل. لو هي فعلاً في حالة خطيرة، أي فحص مني إيدي فيه مجرد سماعة وضغط مش هيغير من الواقع حاجة. الحل الوحيد لإنقاذ حياتها لو كانت فعلاً في خطر هو “الهبوط الاضطراري” في أقرب مطار فورًا لإدخالها غرفة عمليات. التفتّ لدينا المضيفة وقلت بصوت حاسم أسمع الجميع: — يا دينا.. اتفضلي فورًا طلبي من كابتن الطائرة يبلغ أجهزة الملاحة فورًا بطلب هبوط اضطراري لأقرب مطار طوارئ. قوليلهم فيه حالة “تنزف ومجتاحة جراحة فورية لإنقاذ حياتها”.
هنا.. انقلبت الطاولة بالكامل. لون وجه شريف تحول من الأحمر إلى الأبيض الكالح. دينا المضيفة تجمدت في مكانها وفتحت فمها دون أن تنطق برقم واحد. الهبوط الاضطراري يعني شيئين: أولاً: سيتم نقل “الزوجة” فورًا بسيارة إسعاف مجهزة ورجال أمن إلى المستشفى الحكومي التابع للمطار، وهناك سيتم توقيع كشف طبي شرعي كامل ورسمي بواسطة لجنة طبية معتمدة.. وسيتبين فورًا أن الجنين ميت منذ ثلاثة أيام، وأن الرحم لم يتعرض لأي إجهاد حديث على متن الطائرة!
ثانيًا: شركة الطيران ستطالب المتسبب في الهبوط الاضطراري المزيف بتكاليف الوقود وتأخير الرحلة، والتي تتجاوز ملايين الجنيهات! ساد الصمت الطائرة كأن على رؤوسهم الطير. شريف ابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متلعثم، خالي تمامًا من ذلك الفحيح الدرامي الذي كان يصرخ به منذ لحظات: — هـ.. هبوط اضطراري؟ لا.. لا مش للدرجة دي يا دكتورة.. هي.. هي الوجع بيجي ويروح.. ممكن نستنى لما نوصل المطار الرئيسي.. بدأت الهمسات تتغير بين الركاب:
— إيه ده؟ هو مش كان بيصرخ وبيقول مراتي بتموت؟ — إزاي يرفض الهبوط الاضطراري لو هي فعلاً بتضيع؟ — غريبة أوي! في هذه اللحظة، جاء صوت خطوات سريعة من مقدمة الطائرة. كان كابتن الطائرة بنفسه، يرافقه رئيس طاقم الضيافة. نظر الكابتن إلى دينا ثم إليّ وقال باهتمام: — يا دكتورة ليلى.. المضيفة بلغتني إن فيه حالة طارئة، وحضرتك رفضتي تدخلي؟ نظرت للكابتن بثبات وقلت:
— يا كابتن، الزوج يدعي أن زوجته في حالة نزيف حاد وألم مبرح يهدد حياتها وحياة الجنين. طالبت المضيفة بتسجيل حالة طوارئ رسمية وتوجيه الطائرة لأقرب مطار للهبوط الاضطراري لإنقاذها، لكن الزوج الآن يتراجع ويرفض الهبوط! نظر الكابتن إلى شريف بحزم وشك: — الأستاذ شريف؟ هل المدام في حالة خطيرة تتطلب هبوط اضطراري؟ لو إنت شايف إن حياتها في خطر، أنا هغير المسار فورًا وننزل في أقرب مطار بعد 20 دقيقة.
ارتبك شريف تمامًا، وبدأ يعرق بغزارة، وقال وهو ينظر للأرض: — أصل.. أصل هي أخذت مسكن قبل ما نطلع.. وممكن تكون ارتاحت شوية.. أنا.. أنا هروح أطمن عليها وارجعلكوا.. ارتبك شريف واستدار ليركض باتجاه الدرجة الاقتصادية، لكن الكابتن أشار لرئيس طاقم الضيافة وقال بجدية: — استنى عندك. طالما فيه بلاغ عن حالة صحية حادة على متن الطائرة، لازم نتحقق. دينا.. تعالي معايا نكشف على الركوبة ونشوف السجل الصحي. في تلك اللحظة، رفعت هاتفي مجددًا لأرى إن كانت هناك رسالة أخرى من ذلك المجهول الذي أنقذني من فخ كان يدمر مستقبلي وحياتي.
وصلتني الرسالة التالية فورًا: 【شاطرة يا ليلى.. بس اللعبة لسه مخلصتش.】 【شريف لما يرجع ورا، هيحاول يرمي شريط أدوبة فارغ في زبالة الحمام ويقول إنك إديتيهولها لما كانت في المطار قبل الإقلاع عشان يسقطها!】 【الشنطة السودا اللي تحت كرسيه فيها عقد الاتفاق بينه وبين دينا المضيفة، وورقة تحليل مستشفى بتقول إن الجنين ميت من يوم التلات.】 【المطلوب منك دلوقتي: تحركي فورًا قبل ما يوصل للحمام.】 لم أتردد لثانية واحدة. وقفت وقلت بصوت عالٍ للجميع:
— يا كابتن.. قبل ما تحركوا، أنا بطالب بتفتيش رسمي وتحفظ على الأمتعة الشخصية للراكب ده فورًا وفقًا لقوانين أمن الطيران! التفت الجميع لي بذهول. أكملت بصوت صارم: — هذا الرجل وزوجته والمضيفة دينا يتآمرون لعمل عملية ابتزاز طبي ضدي على متن هذه الرحلة، والجنين المذكور ميت قبل صعودنا الطائرة بثلاثة أيام، وكل الأدلة موجودة في الحقيبة السوداء أسفل مقعده رقم 34B!
ساد الذهول المكان. دينا المضيفة شهقت وشحب وجهها كالجثة، بينما حاول شريف الجري باتجاه الجزء الخلفي للطائرة، لكن اثنين من ركاب الدرجة الاقتصادية —الذين كانوا يهاجمونني منذ قليل وشعروا أنهم استُغلوا في مسرحية رخيصة— قفزا من مقاعدهما وأمسكا به بكل قوة! تقدم رئيس طاقم الضيافة بطلب من الكابتن، وتوجه نحو المقعد 34B، وسحب الحقيبة السوداء. فتحها أمام الكابتن وبعض الركاب الشاهدين.. وكانت المفاجأة:
تقرير طبي صادرة من مستشفى خاص بتاريخ قبل ثلاثة أيام، يثبت وفاة الجنين تمامًا وضرورة إجراء عملية إجهاض جراحي، بالإضافة إلى أوراق مديونيات قمار باسم “شريف”، ورسائل مطبوعة بينه وبين دينا المضيفة تتضمن تفاصيل الخطة لابتزازي بمبلغ مليونين جنيه بعد استغلال اسمي الموجود في قائمة ركاب الطائرة كطبيبة! انفجرت الطائرة في حالة من الغضب والذهول. الركاب الذين كانوا يتهمونني بقسوة القلب بدأوا يعتذرون لي بشرس، والرجل الخمسيني الذي هددني بنقابة الأطباء جاء يصافحني خجلاً وهو يطلب مني المسامحة.
تم التحفظ على شريف وعلى المضيفة دينا في مقاعد الخلف تحت حراسة طاقم الطيران، وفي غضون ساعات قليلة، هبطت الطائرة في مطار القاهرة، وكانت سيارات الشرطة وأمن المطار في انتظار الطائرة على مدرج الهبوط. خرج الجميع، وتم اقتياد شريف وزوجته والمضيفة في سيارات الترحيلات لبدء التحقيق في قضية النصب والابتزاز والتزوير. وقفتُ في صالة الوصول بمطار القاهرة، أتنفس الصعداء بعد ليلة كانت الأغرب والأكثر رعبًا في حياتي. أخرجت هاتفي.. ونظرت إلى الشاشة.
كنت أريد أن أعرف: من هذا الشغص المجهول الذي كان يراقب كل شيء؟ من صاحب هذه الرسائل التي أنقذتني في الوقت المناسب بالظبط؟ كتبت رسالة في نفس المحادثة: “شكراً ليك.. أنت أنقذت حياتي ومهنتي. بس أراد أعرّف إنت مين؟ وإزاي عرفت كل ده؟” مرت دقيقة.. سنتان.. ثلاث دقائق. ولم يأتِ رد. وعندما أردت الاتصال بالرقم.. تفاجأت بعبارة ظهرت أسفل الشاشة: 【هذا الرقم غير مستعمل أو تم إغلاقه.】 نزلت سلالم المطار متجهة إلى سيارة الأجرة، وفي رأسي ألف سؤال وسؤال.. هل كان ملكًا حارسًا؟ أم شخصًا من ماضي شريف يصفّي حسابه معه عن طريقي؟
مهما كان السبب، علمتني تلك الرحلة فوق السحاب درسًا لن أنساه أبداً: “ليس كل من يصرخ طالبًا للنجدة مظلومًا.. وبعض البرود هو أعلى درجات الحكمة.”