منوعات

مالك ياوردة

في صباح اليوم التالي، ساد الهدوء بيت وردة، لكنه كان هدوءاً أشبه بالمقابر. رفضت وردة الخروج من غرفتها، ولم تتناول طعامها. حزم أمرها على الشروع في إجراءات تأجيل السنة الدراسية أو التحويل، متجاهلة توسلات والدتها وتأكيدات تامر بأنه سيتكفل بالقصة. أمّا في الجامعة.. كان الخبر هو الحديث الشاغل للجميع. نسرين تدير الكلية كأنها الملكة التتويجية، ترتدي خاتماً ببراقة وتتحدث بابتسامة نصر أمام زميلاتها. لكن أدهم لم يظهر في أي محاضرة.

دخل أدهم مباشرة إلى مكتب العميد بدون استئذان، وجلس أمامه بكبرياء مجروح. العميد رفع نظارته: “أهلاً يا أدهم.. في حاجة؟ إيه الطريقة دي؟” قال أدهم بنبرة حادة كالسيف: “يا دكتور.. أنا عملت اللي حضرتك طلبته وانقذت بنتك من الفضيحة اللي كانت هتطردها بسببها من الجامعة وتضيع مستقبلها.. أعلنت الخطوبة الصورية زي ما اتسرعنا واتفقنا أمس، عشان نغطي على الورقة والمصيبة اللي اتسربت.” العميد تنحنح بارتباك: “تمام يا أدهم، والجامعة كلها عرفت خلاص والوضع استقر، ونقدر نعدل الأمور ببطء بعدين..”

أدهم وقف ومال على المكتب: “لأ.. مش بعدين. حضرتك بنتك استغلت الموقف وراحت للصحافة ولصفحات الكلية ونشرت الصور وتتعامل إنها خطوبة بجد! أنا خطبت بنتك إعلامياً لحماية سُمعة.. لكن أنا بحب بنت تانية وحياتي بتتدمر حالياً! قدامك 48 ساعة يا دكتور.. إما نسرين هي اللي تطلع تقول إن الموضوع كان سوء فهم وإن خطوبتنا اتفسخت برضا الطرفين.. إما أنا هطلع وأقول الحقيقة كاملة بالورق والمستندات اللي معايا ومستعد أتحاكم في الجامعة بس مش هسيب حياتي تضيع!”

صُدم العميد من تهديد أدهم الصريح: “انت بتهددني يا أدهم؟! أنت عارف أنا أقدر أعمل إيه في مستقبلك الأكاديمي؟” ضحك أدهم بسخرية ووجع: “مستقبلي؟ مستقبلي ضاع لما سبت البنت الوحيدة اللي حبتها تظن إني خاين! اعمل اللي تعمله يا دكتور.. 48 ساعة فقط، والمهلة بدأت من دلوقت.” خرج أدهم من المكتب تاركاً العميد في حالة من الذهول والذعر.

لكن نسرين، التي كانت تسترق السمع خلف الباب شبه المغلق، انقبض وجهها بشر. لم تكن نسرين لتسمح لوردة أو لأدهم بإفساد الخطة التي انتظرتها طويلاً؛ فهي لم تستغل الأزمة لتنجو بنفسها فقط، بل لتجبر أدهم على الارتباط بها، لعلمها المتزايد بحبه لوردة ومنافستها الدائمة لها. ابتسمت نسرين بمرارة وقالت لنفسها: “عايز تفسخ الخطوبة وتنفد لوردة؟ ماشي يا أدهم.. نشوف مين فينا اللي هيضحك في الآخر.” في مساء ذلك اليوم، وصلت لوردة رسالة على هاتفها من رقم مجهول.

فتحت وردة الرسالة ببرود وهي تتوقع أنها من أدهم، لكنها تفاجأت بالـمحتوى: كانت تسجيل صوتي قصير لحديث دار بين نسرين وصديقتها المقربة داخل حمامات الكلية قبل الأزمة بيومين، وتقول فيه نسرين بوضوح: “أنا عارفة إن أدهم بيمو.ت في وردة.. بس أنا هخليه ييجي لرباط جزمتي وبموافقته، وهخليه يبوس إيدي عشان يخطبني، ووردة دي هخليها تمشي من الجامعة وهي بتعيط دم!” ورفقت بالرسالة عبارة قصيرة: “أدهم مكنش خاين.. أدهم كان الضحية في فخ اتنصب له عشان ينقذ نسرين من فضيحة تسريب امتحانات، والعميد استخدم نقطة ضعفه وشهامته.. ما تضيعيش حبيبك عشان ملعوبة رخيصة.”

اتسعت عينا وردة، وتوقف قلبها عن النبض لحظة. كان الرقم المجهول هو رقم ولاء، التي لم تستسلم وقررت أن تقلب عن الحقيقة وتستجوب بعض الطلاب حتى وصلت لهذا التسجيل! جففت وردة دموعها بسرعة، وقفت على قدميها ويداها ترتجفان. أدركت في هذه اللحظة الحجم الرهيب للمأساة التي وقع فيها أدهم، وأنه لم يبعها بل كان يحارب في معركة قذرة لوحده! في هذه الأثناء، كان أدهم يجلس في سيارته عند شاطئ النيل، ينظر إلى الساعة التي تقترب من منتصف الليل، والدموع تحبس في عينيه، متسائلاً إن كان الوقت قد فات لإصلاح ما انكسر.

فجأة، أضاءت شاشة هاتفه.. اسم المتصل: وردة 🌸 تنفس أدهم بسرعة، ويده ترتعش وهو يضغط زر الإجابة…

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى