لكنها كانت موجودة. ريهام كانت مبسوطة. مبسوطة وأنا حياتي بتتهد. كريم قرب مني تاني وقال: — «هتطلقي بهدوء… وهتمشي من البيت بهدوء. وآدم هيفضل معايا.» رفعت وشي وبصيتله بصدمة: — «ومستحقاتي؟» ابتسم ابتسامة باردة. — «مستحقات إيه؟ إنتِ فاكرة بعد اللي عملتيه ليكي عندي حاجة؟» وقفت قدامه، والدموع نازلة من عيني. — «أنا ماخنتكش يا كريم.» قال: — «المحكمة هي اللي هتحدد.» هنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد اتهام.
أكبر من عصبية راجل اتقاله إن مراته خانته. كل حاجة كانت متحضرة. كلامه. وجود حسام. وجود ريهام. حتى طريقة دخولهم البيت. كأنهم حافظين المشهد. وفجأة افتكرت حاجة. الصبح… لما ريهام كانت ماسكة موبايلي. ولما سألتها بتعمل إيه. ردت بسرعة وقالت إنها افتكرت كريم باعتلي. لكن موبايلي ماكانش منور أصلًا. بصيت ناحية التربيزة بسرعة. الموبايل كان لسه مكانه. جريت وخدته. فتحت الشاشة. قلبي وقف. كان في رسالة اتبعتت من رقمي الساعة 11:43 الصبح.
لرقم غريب. والأغرب… إن الرسالة مكتوب فيها: «متجيش النهارده… كريم ممكن يرجع بدري.» رفعت عيني ناحية ريهام ببطء. هي شافت الرسالة. واتغير لون وشها. لكن قبل ما أتكلم، كريم خطف الموبايل من إيدي. قرأ الرسالة. وبصلي بانتصار. وقال: — «لسه هتنكري؟» صرخت: — «أنا ما بعتش الرسالة دي!» ريهام قالت بسرعة: — «يعني حد مسك موبايِلك وبعت لنفسه؟» بصيتلها. وقلت بهدوء غريب، رغم إن قلبي كان بيتقطع: — «أيوه… حد مسك موبايلي فعلًا.»
وساعتها… كل العيون اتجهت ناحية ريهام. لكنها بسرعة بصت لكريم. ونفس النظرة اللي شفتها من شوية اتكررت. والمرادي… أنا فهمت. هما الاتنين كانوا متفقين. بس أنا لسه ماكنتش أعرف إن سبب كل اللي بيحصل… ماكانش مجرد إن كريم عايز يطلقني. كان في ست تانية مستنية مكاني. وإن أخته ريهام… هي اللي اختارتها له بنفسها اليوم التالي كان بداية الحساب. لم أعد ليلى الضعيفة المكسورة التي خرجت بحافيّ قدميها تح.ضن حسرتها؛ كنت امرأة أُعيد تشكيلها من النار والغل. المحامي “أستاذ توفيق” أخذ الفلاشة وعينيه تتسعان مع كل ثانية في الفيديو، ثم ض.رب بيده على المكتب وقال بنبرة حاسمة:
— «القضية دي مش بس هترجعلك ابنك وحقوقك يا ليلى.. القضية دي هترمي كريم وأخته وجوزها في السجن بتهمة التزوير، الاتهام الباطل، وتلفيق جريمة مساس بالشرف!» في صباح الأحد، تقدمنا ببلاغ رسمي للنيابة العامة مرفقاً بتفريغ كاميرات المراقبة، وطلب استدعاء تفريغ شبكات المحمول للرقم الغريب اللي أرسلت له الرسالة. وبسحر القانون عندما يمتلك الدليل القاطع، صدر أمر استدعاء عاجل لكريم وريهام وحسام. في بيت كريم، كان الجو مختلفاً تماماً. كان يجلس في الصالة، ويحمل “آدم” بين يديه، بينما “نهى” تتجول في الشقة التي كانت بيتي حتى الأسبوع الماضي، تختار ألوان الدهانات الجديدة وتتحدث عن إعادة تأثيث غرفة النوم!
وريهام تجلس واضعةً قدماً على قدم، تبتسم بانتصار وهي تقول: — «قولتلك يا كريم.. ليلى دي جبانة، أسبوع كمان وهتيجي تبوس إيدك عشان تسقط قضايا النفقة وتاخد ولدها ساعتين في الأسبوع! وبكده تبقى طلعت من المولد بلا حمّص، ونهى حبيبتك بقت مراتك والشقة بقت ملكك!» كريم ابتسم ابتسامة غريبة، لكن قلبه لم يكن مرتاحاً بالكامل. كان هناك صوت خفي يهمس له أن ليلى سكتت أكثر من اللازم.. وفجأة، جرس الباب رنّ بعنف.
قامت ريهام تفتح وهي تضحك: «مين الزنان ده؟»، لكن ابتسامتها تجمدت فوراً عندما وجدت أمناء شرطة يرتدون الزي الرسمي، وبجوارهم ضابط مباحث يقف بنظرات صارمة. — «كريم عبد الرحمن؟ ريهام عبد الرحمن؟ وحسام الدين؟» كريم قام بسرعة والطفل في ح.ضنه: «أيوه يا فندم.. خير؟» الضابط أخرج ورقة الرسمية وقال بنبرة جافة: — «مطلوب القبض عليكم واستدعاؤكم فوراً أمام النيابة العامة.. في البلاغ المقدم من المواطنة ليلى، بتهم التزوير، البلاغ الكاذب، وتشكيل عصابي لتلفيق قضية شرف!»
نهى صرخت وسقطت الفازة من يدها، وريهام اصفرّ وجهها حتى صار كالجثة، بينما كريم صرخ بذهول: — «تزوير إيه وبلاغ كاذب إيه؟! دي خايـ…» قاطعه الضابط بصوت هز أرجاء الشقة: — «الكلام ده تقوله للنيابة.. الموبايلات كلها تتسلم فوراً، والطفل يتسلم لوالدته اللي منتظرة تحت مع القوة التنفيذية!» أمام مكتب وكيل النيابة، كانت المواجهة التي انتظرتها طوال عمري. كنت أجلس بجوار والدي والمحامي، وأحمل آدم بين ح.ضني بعد أن استرددته فوراً عند مقر الشرطة. كنت أضمه بلهفة وكأني أتنفس لأول مرة منذ أسبوع.
دَخل كريم ومكلبش في يده حسام، وريهام تدخل خلفهما تبتلع ريقها برعب. عندما رآني كريم وأنا أحمل آدم، حاول أن يظهر بمتماسك وقال بصوت مرتفع: — «يا سيادة وكيل النيابة! الست دي مش أمينة على الولد! دي خاينـ…» قاطعه وكيل النيابة بض.ربة قوية على المكتب: — «اسكت خالص! أنت فاكر نفسك فين؟!» فتح وكيل النيابة الملف أمامه، وشغّل الشاشة الكبيرة الموجودة في المكتب. بدأ عرض الفيديو: ظهرت ريهام وهي تنزل من الشقة الساعة 11:15، تقابل نهى، تأخذ الموبايل، تبعث الرسالة، ثم تعود. وظهر كريم وهو يقف أسفل العمارة ينتظر شقيقته لتبدأ التمثيلية!
ريهام بدأت ترتعش، وركبتها لم تعد تحملها. كريم اتسعت عيناه بصدمة لم يشهدها في حياته. نظر لأخته بشرار: — «ريهام؟! إنتِ مش قولتِي إنك شوفتيه نازل من فوق بنفسك؟!» وهنا كانت المفاجأة التي لم تتوقعها ريهام! كريم نفسه لم يكن يعلم أن ريهام هي من أرسلت الرسالة من موبايلي! ريهام كانت قد أقنعت كريم بأنها “بالفعل” رأت رجلاً ينزل، وأنها استغلت فرصة وجود الموبايل لتتأكد، لكن الحقيقة أن ريهام ونهى هما من خططا لكل شيء ليخدعا كريم نفسه ويستغلا شكوكه وغيرته، لكي يطلقني ويتزوج نهى!
وكيل النيابة نظر لريهام وقال: — «التفريغ الفني لشركة المحمول أثبت إن الشريحة التانية اللي جتك منها الرسالة مسجلة باسم “نهى”، شريكتكم في البلاغ الكاذب.. أظن الصورة وضحت؟» ريهام سقطت على الأرض تبكي وتصرخ: — «والله هي اللي زقتني يا كريم! نهى هي اللي قالتلي لو طردنا ليلى هتديني الشقة القديمة بتاعتها وأكتبها باسمي! والله ما كان قصدي أخرب بيتك!» كريم ذهول عمره تجسد في تلك اللحظة. نظر لأخته التي وثق فيها ودمر بيته وشرفه من أجلها، ثم نظر إليّ..
رأيت في عينيه في تلك اللحظة نادماً أكل قلبه، وانكسار رجل اكتشف أنه كان مجرد لعبة قذرة في يد أخته وابنة عمّه! التفت كريم إليّ، والدموع تنزل من عينيه لأول مرة في حياتي أراها: — «ليلى… أنا.. أنا مظلوم زيّك! هما خدعوني! أختي خدعتني!» قمت من مقعدي وأنا أحمل آدم الثابت في نومه، وقربت منه ببطء، وابتسمت نفس الابتسامة الباردة التي أهدتني إياها أخته يوم طردي: — «أنت مش مظلوم يا كريم.. أنت كنت مستعد تصدق أي كدبة عشان تخلص مني ومن حقوقي تاخد ابني. أنت ماحاربتش عشاني ثانية واحدة.. المظلوم هو ابنك اللي كنت هتربيه في وسط القذارة دي.»
وكيل النيابة أصدر قراره فوراً: حبس ريهام ونهى وحسام 4 days على ذمة التحقيق بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب والائتلاف الجنائي. إحالة كريم للمحاكمة بتهمة الانضمام ونزع طفل بالقوة. تمكيني الكامل والمسلح من شقة الزوجية، مع إثبات حضانة آدم لي نهائياً. بعد شهرين.. كنت أقف في بلكونة شقتي – نفس الشقة التي حاولوا طردي منها – وأنا أحمل آدم الذي بدأ يبتسم ويناغي. الهدوء كان يعم المكان. كريم خرج بكفالة مالية ضخمة تنتظره محاكمة ستدمر مستقبله المهني، وأخته وزوجها ونهى في السجن ينتظرون أحكاماً بالحبس.
كريم حاول الاتصال بي عشرات المرات، أرسل لي رسائل اعتذار وتوسل، كان مستعداً أن يكتب لي الشقة وكل أملاكه فقط لأتنازل عن القضايا وأرجّع له ابنه.. لكن الرسالة الوحيدة التي أرسلتها له كانت صورة عقد التمكين وصورة دعوى الطلاق للضرر مع حظر كامل لرقمه. نظرت لآدم في ح.ضني وقُلت له بصوت هادئ: — «حقك رجع يا قلب أمك.. ومن النهارده، مافيش حد في الدنيا دي يقدر يكسرنا تاني.»
