ـ كلامها صح في نص… وغلط في النص الثاني يا “ابني”. حماتي اتسعت عينيها برعب، وحاولت تقعد على السرير لكن الأجهزة كانت بتعد نبضات قلبها السريعة جداً. كمل عمي ببرود وهو بيبصلي أنا: ـ هي فاكرة إنها خدتك من الصعيد من دكتور نصاب… لكن الحقيقة إن الدكتور ده كان شغال لحساب ناس تانيين… ناس أنا أعرفهم كويس. وأنتي يا بنت الناس… فاكرة إنك لما لعبتي لعبة الهدوء والدهاء النهارده عشان تجنني جوزك إنك كسبتي؟
ربعت إيدي وحاولت أسترجع ثباتي الانفعالي، وقولتله بابتسامة تحذيرية: ـ أنا م بلعبش يا عمي… أنا بس بمتص العصبية. لكن واضح إن البيت ده فيه مسرحية كبيرة قوي وأنا اتعزمت عليها بالصدفة! ابتسم عمي وقال: ـ بالصدفة؟ مفيش حاجة بتحصل بالصدفة في البيت ده! المظروف ده فيه ورق التحاليل اللي ثبت إن جوزك… بيبقي أخوكي أنتي من الأب! الكلمة نزلت عليا كأنها شلل. جوزي صرخ بعلو صوته: ـ إيييييه؟! أنتم بتخرفوا بتقولوا إيه؟! ده جنون! دي كوابيس!
أنا حسيت الأرض بتلف بيا. ذكائي، هدوئي، برودي اللي استفزيت بيه جوزي طول اليوم… كل ده انهار في لحظة أمام البشاعة دي. لكن في وسط الذهول ده، ركزت في عينين حماتي… حماتي كانت بتهز رأسها بنفي قاطع، وبتحاول تتكلم وتسحب ماسك الأكسجين تاني! جمعت حماتي كل قوتها وصرخت بصوت أخير هز الأوضة: ـ كذاب! كذاب يا عبد الصمد! أنت عايز تجننهم عشان متديهمش حقهم! عمي قرب منها بسرعة وجرب يمسكها، لكن أنا قفزت في النص وزقيته بعيد عنها بكل قوتي.
وقفت قدامه وقولت بصرامة: ـ إيدك متلمسهاش! كملي يا حاجة… كذاب ليه؟ حماتي كانت بتتنفس بصعوبة شديدة وقالت: ـ أبوه الحقيقي… هو أخوك أنت يا عبد الصمد! اللي أنت ق.تلته من تلاتين سنة وسرق ورثه! والولد ده هو الوريث الوحيد لأملاك العيلة كلها اللي أنت عايش فيها وبتبني منها نفسك! هو حط الورق المزيف ده عشان يخليكم تطلقوا وما تطالبوش بالورث لو السر اتكشف! الأوضة تحولت لساحة حرب نفسية.
جوزي بص لأبوه — أو اللي كان فاكره أبوه — بعيون مليانة دموع وذهول وشك. الخيانة جاية من كل اتجاه. الراجل اللي ض.ربني بالقلم الصبح عشان أمه قالتله كلمتين، اكتشف إن حياته كلها كانت مجرد كذبة كبيرة، وإنه متني في بيت الراجل اللي ق.تل أبوه الحقيقي وسرق حياته! عمي طلع من جيبه مطواة وصوت فتحها كان مرعب في هدوء العناية المركزة. بصلي وقال وهو بيقرب مني: ـ أنتي اللي خربتي كل حاجة بهدوءك وذكائك ده… لو كنتي غضبتي ورجعتي بيت أهلك زي أي ست طبيعية، مكنتش المكالمة دي حصلت، ومكنتش هي اتجلطت، ومكنش السر ده خرج للنور النهارده! أنتي السبب!
جوزي بصلنا… وبص لإيده الخمس غرز المربوطة بالشاش. وفي لحظة خاطفة، ومن غير ما يفكر، رمى نفسه على عمي ومسك إيده اللي فيها السكينة بكل قوته. ضربات وصرخات مكتومة كانت شغال داخل الأوضة، وأنا جريت على زرار الاستدعاء بتاع الممرضات وفضلت ضاغطة عليه من غير ما أرفعه. صوت الإنذار ضرب في المستشفى كلها، والأطباء والأمن بدأوا يكسروا الباب اللي كان مقفول بالمفتاح. في وسط الزيطة والدوشة، جوزي قدر يثبت عبد الصمد على الأرض وهو بينهج ودموعه نازلة مغرقة وشه، بصلي وهو جثو على ركبتيه وقال بصوت مكسور:
ـ أنا أسف… أسف على القلم… أسف على كل لحظة قسيت فيها عليكِ… أنا طلعت ولا حاجة يا “شيمو”… أنا عايش في كذبة! قربت منه ببطء، وحطيت إيدي على كتفه، وبصيت في عينيه بثبات وقولتله: ـ أنت مش ولا حاجة… أنت دلوقتي عرفت الحقيقة. والنهاردة بس… تبدأ حياتك الحقيقية، وهنجيب حق أبوك وحق السنين اللي اتسرقت منك… بالقانون والهدوء. الشرطة جت، وعبد الصمد اتقبض عليه بتهمة التهديد والشروع في الق.تل وفتح ملف قضية مق.تل أخوه من جديد بعد اعترافات حماتي اللي ثبتتها التحقيقات.
مرت الأيام… حماتي قامت بالسلامة بعد فترة علاج طويلة، والتحاليل الحقيقية أثبتت إن مفيش أي صلة قرابة بيني وبين جوزي، وإن عبد الصمد كان مجرد شيطان بيحاول يدمر الجوازة عشان خايف من انكشاف سر الورث. وفي يوم، بعد ما كل حاجة هديت، وقعدنا في شقتنا… جوزي جابلي كباية قهوة وعملها بإيده، وحطها قدامي على الترابيزة وقعد على الكرسي اللي جنب مني. بصلي باحترام وحب عميق وقال: ـ أنتي متأكدة إنك بنى آدمة؟ الهدوء بتاعك ده هو اللي أنقذ حياتي وأنقذ حقي من الضياع.
ابتسمت ونشقت ريحة القهوة وقولتله: ـ قولتلك قبل كده… أنا مؤمنة إن العصبية بتدمر… لكن الهدوء بيجيب الحق ولو بعد تلاتين سنة!

