منوعات

ولاد اخويا

شعر سالم بوخزة في قلبه لما شاف دموع إيمان وخوفها على العيال. الغضب اللي كان جواه بدأ يتحول لـ حيرة وقلق. بص لجده اللي كان قاعد زي الجبل، ملامحه مابتقولش غير حاجة واحدة: “ده اللي هيحصل”. الفصل الأول: شروط تحت خط النـ,ـار مرت دقيقتين من الصمت القـ,ـاتل، محدش فيهم نطق. المحامي بدأ يلم ورقه في الشنطة وهو حاسس إن وجوده مبقاش ليه لازمة قصاد حكمة الجد. سالم أخد نفس طويل، وبص لإيمان اللي كانت واقفة لسه ضامة دراعاتها وبتترعش، وقال بصوت خشن لكن هادي:

ـ “لو ده الحل الوحيد عشان العيال ميتشتتوش في المحاكم… أنا موافق. بس بشرط.” إيمان رفعت راسها بسرعة، وعينيها اتسعت بصدمة: ـ “موافق؟ انت بتبيع وتشتري فيا وفي حياتي؟ أنا مش موافقة! مش هعيش مع بني آدم شايفني مجرد واجب أو فرض!” الجد خبط بالعكاز تاني، المرة دي بقوة أكبر: ـ “اسمعي شروطه يا إيمان، وبعدين قولي شروطك. العيال جوه بيمـ,ـوتوا في اليوم مية مرة، وانتوا واقفين تدموا كرامتكم؟” سالم بص للجهة التانية وقال بجمود:

ـ “جوازنا هيبقى على الورق وبس. قدام الناس والمحكمة احنا متجوزين، عشان محدش يطعـ,ـن في وصاية العيال. هتعيشي معايا في شقة أخويا الله يرحمه، انتي ليكي أوضتك، وأنا ليا أوضتي. مفيش بيننا غير العيال وبس. لا هتدخلي في حياتي، ولا هتدخل في حياتك.” إيمان بلعت ريقها بصعوبة، حست إن كلامه جرح كبريائها بس في نفس الوقت ريحها.. على الأقل مش هيكون جواز حقيقي من شخص مابتحبوش. مسحت دمعة هربت من عينيها وقالت بنبرة حادة:

ـ “وأنا موافقة، بس عندي شرطين… الأول: مالكش دعوة بتربيتهم، أنا اللي مسؤولة عن تفاصيلهم وأكلك وشربك مالكش دعوة بيه، أنا مش خادمة عندك. والتاني: الجواز ده آخره لحد ما الولد الصغير يتم السن القانوني، وبعدها كل واحد يروح لحاله.” سالم جز على سنانه وبص لها بنظرة تحدي: ـ “موافق. جهزي نفسك.. كتب الكتاب الخميس الجاي.” الفصل الثاني: الليلة الأولى في بيت الذكريات بعد أسبوع، انقشع غبار المحاكم مؤقتاً، وتمت الجوازة في أضيق الحدود وبدون أي مظاهر فرح.. كان أشبه بمأتم تاني.

دخلت إيمان الشقة وهي شايلة “ياسين” الصغير (٤ سنين)، ومادة إيدها لـ “فرح” (٧ سنين) اللي كانت بتعيط ومتبهدلة. الشقة كانت مليانة بريحة أختها الراحلة، وده خلا دموع إيمان تنزل من غير صوت. سالم دخل وراهم وهو شايل الشنط الكبيرة، حطهم في الصالة وبص لإيمان والعيال. حس بتقل غريب على كتافه. فرح جريت على أوضتها القديمة وقفت قفلت الباب، وياسين بدأ يصرخ عايز مامته. إيمان قعدت في الأرض وضمت ياسين وهي بتبكي معاه:

ـ “يا حبيبي أنا هنا.. أنا خالتو إيمان، مش هسيبك والله.” سالم وقف يتفرج على المشهد، لقى نفسه غصب عنه بيقرب، قعد على ركبته جنبهم، ومد إيده الطويلة الحنينة ومسح على راس ياسين: ـ “ياسين.. يا بطل. فاكر لما بابا كان بيقولك إن العم سند؟ أنا هنا يا حبيبي، ومش هسيبك تقع.” ياسين بص لسالم بعيون مليانة دموع، ولأول مرة من أسبوع، هدي شوية ورمى نفسه في حضن سالم. إيمان بصت للمشهد ده، وحست بحاجة غريبة جواها.. “هل ممكن يطلع فيه حنية فعلاً؟” لكنها سرعان ما نفضت الفكرة من دماغها وافتكرت جفاؤه القديم.

الفصل الثالث: حرب باردة في المطبخ مرت الأسابيع الأولى كأنها حـ,ـرب باردة. الشقة مقسومة نصين؛ إيمان بتصحى بدري تجهز العيال للمدرسة والحضانة، وسالم بيصحى بعدها ينزل شغله في شركة المقاولات بتاعته ومبيرجعش غير بالليل متأخر عشان يتجنب القعدة معاها. في يوم، سالم رجع بدري على غير العادة بسبب تعب مفاجئ. دخل الشقة لقى هدوء غريب. دخل المطبخ يشرب، لقى إيمان واقفة بتعمل عصير، وشها كان شاحن وتعبان جداً. سالم بنبرة جافة:

ـ “العيال فين؟” إيمان اتخضت ولفت ليه: ـ “نايمين.. لسه منيمامهم بعد عذاب.” سالم لاحظ إنها بتنهج ومش قادرة تقف، لسه هيتحرك ويمشي، لقاها فجأة داخت وطقطقت رجليها، وكانت هتقع على الأرض! بدون تفكير، سالم اتقدم بسرعة البرق ولحقها بين إيديه قبل ما تلمس الأرض. شالها بين دراعاته العريضة وحس بقد إيه هي بقت خفيفة وضئيلة من كتر الهم والتعب. دخل بيها أوضتها وحطها على السرير بحذر، وجري جاب بصلة وعطر عشان تفوق.

فتحت عينيها ببطء لقت وشه قريب منها جداً، وملامحه مليانة قلق حقيقي مش تمثيل. سالم بنبرة صوت لأول مرة تسمعها منه (دافية وخايفة): ـ “انتي كويسة؟ إيمان.. فيكِ إيه؟” إيمان حاولت تبعد وتعدل قعدتها وهي محرجة: ـ “أنا.. أنا كويسة، بس ضغطي واطي تقريباً مأكلتش من الصبح.” سالم وقف وبصلها بغضب مكتوم: ـ “انتي غبية؟ بتمـ,ـوتي نفسك عشان تثبتي إنك مش محتاجالي؟ العيال دول لو جرا لك حاجة هيضيعوا! من بكرة الأكل هينزل دليفري أو هجيب حد يساعدك، ومفيش خروج من البيت طول ما انتي بالضعف ده!”

إيمان عاندت رغم تعبها: ـ “مالكش دعوة بيا! أنا قادرة أشيل نفسي!” سالم قرب منها وجز على سنانه: ـ “لي مية دعوة.. انتي دلوقتي مسؤولة مني، والعيال دول مالهمش غيرنا. فاهمة ولا لأ؟” الفصل الرابع: ليلة العاصفة والسر المدفون بعد شهرين من الحادثة دي، الأجواء بدأت تهدى شوية، وبقى فيه لغة حوار بسيطة بين السطور. سالم بقى يرجع بدري يقعد مع ياسين وفرح، يلعب معاهم ويذاكرلهم، وإيمان كانت بتراقبه من بعيد وبدأ الحقد اللي في قلبها يتدوب ورا حنيته على العيال.

في ليلة شتا شديدة المطر والرعد، النور قطع في المنطقة كلها. الشقة بقت كحل. فرح صرخت من أوضتها من الخوف. إيمان وسالم جريوا في نفس اللحظة بال كشافات على أوضة العيال. سالم أخد فرح في حضـ,ـنه، وإيمان أخدت ياسين، وقعدوا كلهم في الصالة على الكنبة الكبيرة عشان يطمنوا العيال. مع كل ضـ,ـربة رعد، فرح كانت بتستخبى في كتاف سالم، وياسين بيمسك في إيمان. عشان يكسر الخوف، سالم قال بصوت هادي:

ـ “عارفة يا إيمان.. أنا مكنتش برفض أرد على أختك زمان كبراً.” إيمان بصتله وسط الضلمة، ونور الكشاف عاكس على عنيه: ـ “أمال إيه؟ أختي ماتت وهي فاكرة إنكم بعتوها!” سالم اتنهد بحزن عميق: ـ “تلفوني اتسـ,ـرق في الأسبوع ده وأنا كنت في موقع في مرسى علم مفيش فيه شبكة أصلاً، وأمي كانت تعبانة في المستشفى والبيت كله كان مقلوب. لما رجعت وعرفت.. كان الأوان فات. أنا عمري ما كنت هسيب أخويا أو مراته يمـ,ـوتوا لوحدهم.. أنا بمـ,ـوت كل يوم من ذنب الكلمة دي.”

إيمان حست بصدمة.. الكلام نزل عليها برد وطمأنينة. الظلم اللي كانت شايلاه في قلبها ناحيته اتهد في لحظة. بصتله ونبرة صوتها اتغيرت تماماً، بقت ناعمة وفيها مواساة: ـ “أنا.. أنا مكنتش أعرف يا سالم. أنا أسفة إني ظلمتك.” سالم بص في عينيها، ولأول مرة يحس إن إيمان مش البنت العنديدة اللي بتكرهه، دي البنت الرقيقة اللي شالت حمل جبال لوحدها. مأخدش باله غير وإيده بتتحرك وتمسح دموعها اللي نزلت متأثرة بكلامه.

الفصل الخامس: نقطة التحول النور رجع فجأة، فـ فاقوا الاتنين من اللحظة الدافية دي. سالم بعد إيده بسرعة وهو محرج، وإيمان وشها احمر وبصت في الأرض. العيال كانوا ناموا في حضـ,ـنهم. سالم شال ياسين ودخله سريره، وإيمان شالت فرح. وهم واقفين في الطرقة قبل ما كل واحد يدخل أوضته، سالم وقف وبص لها وقال: ـ “إيمان… الشرط التاني بتاعك، اللي هو الطلاق لما العيال يكبروا…” إيمان دقات قلبها سرعت، وقالت بتوتر:

ـ “ماله؟” سالم ابتسم ابتسامة خفيفة وصادقة لأول مرة: ـ “تفتكري هنقدر نستنى كل السنين دي واحنا عايشين في شقة واحدة؟” إيمان ابتسمت هي كمان بخجل، ودخلت أوضتها وقفلت الباب، بس المرة دي.. الباب اتقفل وفي قلبها أمل جديد، والبيت اللي بدأ بخناقة ودموع، بقى دافي ومليان بأول خيوط حب حقيقي اتولد من رحم المعاناة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى