منوعات

اتجوزت نص.اب

خرجت من بيت حماتها والدم يغلي في عروقي، والخطوات التي كانت ثقيلة عند مجيئي تحولت فجأة إلى سباق مع الزمن. ركبت أول سيارة أجرة، ويدي ترتعش وأنا أحاول الاتصال بأخي الأكبر “عادل”. كان عادل رجلاً حاسماً، يعمل في سلك المحاماة ويعرف خبايا القانون. حكيت له ما حدث في كلمات متقاطعة لاهثة، فجاءني صوته الحازم عبر الهاتف: — “يا أمي، لا تخافي. اذهبي فوراً إلى بيت سارة، وأنا سأحضر معي قوة من الشرطة بصفة ودية أولاً، ومعي زميل لي متخصص في قضايا النص.ب والاحتيال. لا تدعي أحداً يخرج من الشقة، ولا تلمسي أي أوراق حتى نصل!”

المواجهة في بيت سارة وصلت إلى البناية. كانت سيارة محمود الجديدة تقف بالأسفل، وشريحتها الحمراء تبدو الآن كبقعة دم تشهد على الجريمة. صعدت الدرج راكضة، ووجدت باب الشقة مفتوحاً على مصراعيه. في الصالة، كان هناك رجل غريب يرتدي بدلة رسمية، يمسك بملفات ويقف بنظرات باردة، وأمامه تقف سارة ابنتي، وجهها شاحب كالمو.تى، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء، لكنها كانت تمسك بيديها “صندوقاً خشبياً صغيراً” وتضمه إلى صدرها بقوة، كأنها تحمي حياتها.

قال الرجل الغريب بجفاء: — “يا مدام، أنا اشتريت هذه الشقة بعقد مسجل منذ ثلاثة أشهر، ودفع ثمنها بالكامل للأستاذ محمود. هو أخبرني أنكم ستخلون الشقة اليوم. أنا رجل أعمال ولا ذنب لي في مشاكلكم العائلية. أمامكِ ساعة واحدة وإلا سأضطر لطلب شرطة النجدة لطردكِ”. صرختُ وأنا أدخل كالعاصفة: — “تطلب النجدة لمن؟! هذه شقة ابنتي، وهذا النصاب باع ما لا يملك!” التفتت سارة إليّ، وحين رأتني، انهارت تماماً وارتمت في ح.ضني وهي تصرخ:

— “ماما.. محمود دمرني.. محمود مش بني آدم.. ده شيطان!” في تلك اللحظة، دخل عادل أخي، ومعه ضابط شرطة برتبة نقيب، ورجل آخر يحمل حقيبة دبلوماسية. بمجرد دخول الشرطة، تغيرت لهجة المشتري الغريب وبدأ يتراجع خطوة للوراء. قال عادل للمشتري: — “أنا الأستاذ عادل، محامي السيدة سارة. أوراقك وعقد بيعك سنناقشها في القسم. لكن الآن، هذه الشقة تعتبر مسرحاً لجريمة نص.ب واحتيال واسعة النطاق”. الصندوق الأسود وأسرار الضحايا جلسنا في غرفة المعيشة، وطلبت الشرطة من المشتري الانتظار في الخارج. وضعت سارة الصندوق الخشبي على الطاولة بيدين ترتجفان.

قالت بصوت متقطع: — “محمود ترك هاتفه القديم في البيت بالصدفة لأنه كان مشحوناً بنسبة 1%، وجاءته رسالة غريبة من امرأة تقول له: (الشرطة تبحث عنك في الإسكندرية، غيرت مكاني). شككتُ في الأمر، وتذكرت أنه يملك مفتاحاً صغيراً يخفيه في ساعته القديمة. فتحت هذا الصندوق ووجدت…” فتحت سارة الصندوق. لم يكن يحتوي على مجوهرات، بل على ما هو أخطر: عقود زواج عرفية، وشهادات بيع ذهب، وتوكيلات عامة. أخذ المحامي زميل عادل الأوراق وبدأ يفرزها بحرفية، وتوسعت عيناه ذهولاً:

الورقة الأولى: عقد زواج عرفي من سيدة في المنصورة منذ سنتين، ومرفق به عقد بيع لسيارتها! الورقة الثانية: شهادة تحويل بنكي بمبلغ ضخم من سيدة في بورسعيد، مؤرخة قبل زواجه من ابنتي بستة أشهر فقط. الورقة الثالثة: المفاجأة الكبرى.. كانت عقود البيع والتنازل الخاصة بسارة. لقد جعلها توقع على أوراق بيع الشقة والسيارة وسط أوراق “ديون المشروعات الوهمية” التي كان يوهمها بها. قال المحامي بذهول: — “هذا ليس زوجاً.. هذا (نصاب محترف) يدير شبكة للايقاع بالسيدات الثريات أو متوسطات الحال، يتزوجهن، يستولي على كل ما يملكن ويملكه أهلهن، ثم يختفي ليغير هويته ويبدأ من جديد!”

الخطة البديلة والمصيدة وفجأة، رن هاتف سارة. كان المتصل: محمود. أشار الضابط لسارة بفتح مكبر الصوت وتحدثه بطبيعية دون أن تشعره بأي شيء. قالت سارة وهي تحاول حبس دموعها: — “ألو.. محمود.. الرجل المشتري هنا ويطلب مني الخروج، أنا خائفة وأتصل بك منذ الصباح، أين أنت؟” جاء صوته خبيثاً، هادئاً، يقطر عسلاً مسموماً:

— “حبيبتي، أنا آسف جداً، اضطررت لبيع الشقة لإنقاذ مشروعي في اللحظة الأخيرة، لا تقلقي، اشتريت لكِ شقة أفضل في منطقة راقية والسيارة الجديدة بالأسفل هي لكِ. أنا الآن في مكتب العقارات أنهي الإجراءات. تعالي إليّ فوراً في المهندسين، في الكافيه الشهير (…)، واحضري معكِ الصندوق الخشبي الصغير الذي في دولابي، لأن به أوراق المشروعات الجديدة”. نظر الضابط لعادل وأومأ برأسه. لقد ابتلع الطعم، وهو يريد الصندوق لأنه أدرك فجأة أنه نسيه، ويعلم أن ما فيه يوديه خلف القضبان.

قالت سارة: — “حاضر يا محمود.. مسافة الطريق وسأكون عندك”. ليلة السقوط تحركت القوة الأمنية فوراً، وأصررتُ أنا وعادل وسارة على الذهاب. وصلنا إلى الكافيه المحدد، وكان محمود يجلس في زاوية معتمة، يرتدي نظارة شمسية ويدخن بشراهة، ويبدو عليه التوتر. دخلت سارة أولاً، وتحاملت على نفسها وجلست أمامه، ووضعت الصندوق على الطاولة. ابتسم محمود ابتسامة النصر ومد يده ليأخذ الصندوق وهو يقول: — “عافاكِ الله يا حبيبتي، أنتِ زوجة صالحة و…”

وقبل أن تكمل يده ملامسة الصندوق، وُضعت “الكلابشات” الحديدية في رسغيه بقوة! انتفض واقفاً وهو يصرخ: “ما هذا؟! أنتِ من أنت؟!” ظهر الضابط وعادل من خلف الستار، ودخلتُ أنا ووقفت أمامه وعيني تنطق بالاحتقار. قلت له: — “هذا دهب أمي الذي بعته يا محمود.. وهذه ديون مشروعك الوهمي!” انقلب وجهه إلى السواد، وحاول المقاومة مدعياً أنها مؤامرة عائلية، لكن الضابط واجهه بالصندوق والأوراق، وبأمر الضبط والإحضار الذي تبين أنه صادر ضده بالفعل في قضايا أخرى بمحافظات مختلفة تحت أسماء مستعارة!

النهاية والدرس القاسي في قسم الشرطة، تبين أن “محمود” واسمه الحقيقي (مدحت) هارب من أحكام بالسجن تبلغ 15 سنة بتهم النص.ب والتز.وير. وبفضل التدخل السريع للمحامي وعادل، وبشهادة حماته (أمه الحقيقية التي تبرأت منه في التحقيقات وقدمت عقد السيارة الأصلي): تم التحفظ على السيارة الجديدة وبيعت بحكم قضائي مستعجل لاسترداد ثمن ذهبي بالكامل. أُبطل عقد بيع الشقة لأن التوقيعات أُخذت بطرق احتيالية وتدليس، وعادت الشقة لملكية سارة. حصلت سارة على الطلاق للضرر في غضون أسابيع قليلة بعد أن تبين زو

اجه من أربع نساء في آن واحد بأسماء مزورة. بعد شهرين من الحادثة، كنا نcustom جالسون في شرفة شقة سارة. نظرتُ إلى يدي العاريتين من الذهب، فابتسمت سارة وجاءت وقبلت يدي، ثم ألبستني سواراً ذهبياً جديداً كانت قد اشترته من أول راتب لها بعد عودتها لعملها. قالت لي والدموع في عينيها: — “هذا ليس ثمن دهبك يا أمي.. هذا ثمن درسي الذي تعلمته، وثمن السند الذي لم أجد مثله في الدنيا”.

ح.ضنتها وقلت: — “يا بنتي، الذهب يذهب ويعود.. لكن الشرف والكرامة إذا ذهبا لا يعودان. والحمد لله الذي كشفه لنا قبل أن يضيع ما هو أغلى من الذهب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى