منوعات

انتي هنا في القاهرة

صدمة زهرة ما كانتش مجرد كلام، الصدمة شلّت تفكيرها. بصت لزين وعينيها مش مصدقة القسـ,ـوة اللي في عينيه. هو زين اللي كانت بتعتبره السند؟ إزاي اتحول لوحش كاسر بالشكل ده؟ زين سابها واقفة في صالون الفيلا الكبير، ونده على “عم عبده” حارس الفيلا ومراته “خالة أم السعد”. قالهم بنبرة جافة وخالية من أي رحمة: — “دي زهرة… البنت الجديدة اللي هتساعد أم السعد في شغل البيت. جهزولها الأوضة اللي في الملحق الخارجي، وتبدأ شغل من بكرة الفجر.”

أم السعد بصت لزهرة بشفقة، البنت باين عليها بنت ناس ومكسورة، ودموعها مش بتوقف. لكن أوامر زين بيه سيف قاطع ومحدش يقدر يناقشه. مرت الأيام، وزهرة عايشة في جـ,ـحيمين؛ جـ,ـحيم الشغل الشاق اللي عمرها ما تعودت عليه في بيت أبوها، وجـ,ـحيم نظرات زين اللي كلها احتقار وغضب كل ما يشوفها. كان بيتعمد يقسى عليها، يطلب منها طلبات تعجيزية، وهي بكل انكسار كانت بتنفذ ومن لسانها مش بتفارق كلمة واحدة: “حسبي الله ونعم الوكيل… أنا مظلومة.”

في ليلة من الليالي، كانت الساعة تعدت نص الليل. الدنيا مطر وبرد شديد في القاهرة. زين رجع الفيلا وهو هلكان من الشغل والتفكير. دخل المكتب وفتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة لعمه (أبو زهرة) وهو بيوصيه عليها قبل ما يمـ,ـوت. زين غمض عينيه بألم وهمس لنفسه: “ليه يا زهرة؟ ليه تلوثي اسم عيلتنا وتكسري ضهرنا كلنا؟” وفجأة… سمع صوت حركة غريبة برة الفيلا، وتحديداً ناحية الملحق الخارجي اللي بتنام فيه زهرة!

زين قام بسرعة، وسحب سـ,ـلاحه من الدرج، وخرج في الضلمة والبرد بخطوات سريعة ومن غير صوت. قرب من أوضة زهرة، ولمح خيال راجل بيحاول يفتح الباب الخشبي القديم بتاع أوضتها بالقوة، وزهرة جوة بتصرخ بصوت مكتوم ومرعـ,ـوب: “ابعد عني… الحقوني!!” زين دمه غلي، هجم على الراجل وضـ,ـربه بكل قوته ونزل فيه ضـ,ـرب لحد ما الراجل فقد التوازن ووقع الأرض وهو بيلثث. زين ثبت السـ,ـلاح في وشه وشغل كشاف تليفونه… وهنا كانت الصدمة الأولى!

الراجل ده ما كانش غريب… ده كان “ممدوح”، ابن عم زهرة من البلد! الراجل اللي كان السبب في كل الفضـ,ـيحة اللي اتمهدت لزهرة وعشانها اتجوزت زين غصب! ممدوح وهو بينزف وبيترعش من الخوف قال: “خلاص يا زين بيه… سيبني هتمـ,ـوتني! أنا هقولك على كل حاجة… والله أنا ماليش ذنب، دي أمك… مرات عمك هي اللي خططت لكل ده!” زين اتسمر في مكانه، الصدمة لجمت لسانه: “أمي؟! أنت بتقول إيه يا كلب؟!”

ممدوح كمل وهو بيبكي خوفاً من المـ,ـوت: “آه والله… مرات عمك كانت عايزة تخلص من زهرة وتاخد ورثها من أبوها بالكامل، ففبركت القصة كلها وخليتني أتبلى عليها وأقول إن في بينا حاجة عشان تجبرها تتجوزك وتسافر القاهرة وتتنزّل عن كل أملاكها في البلد! زهرة شريفة ومظـ,ـلومة يا زين بيه… والله مظلومة!” زين حس إن الأرض بتلف بيه. السـ,ـلاح وقع من إيده. بص ناحية الباب، لقى زهرة واقفة سانده على الحيطة، بتترعش من البرد والخوف، ودموعها نازلة، لكن النظرة اللي في عينيها ما كانتش انكسار… كانت نظرة عتاب قـ,ـاتلة.

التفتت لزين وقالت بصوت مبحوح ومجروح: — “سمعت بنفسك؟ عرفت مين اللي كان محتاج يتربى من أول وجديد؟” زين خطى خطوة ناحيتها وهو مش قادر يبص في عينيها من كتر الخزي والندم: “زهرة… أنا…” وقبل ما يكمل كلمته، زهرة وقعت على الأرض مغمى عليها من كتر الضغط والتعب. زين صرخ بأعلى صوته: “زهرررررة!!!” وشالها بين إيديه وجري بيها على جوة الفيلا، وهو حاسس إن روحه هي اللي بتتسحب منه، وإن اللي جاي مش هيبقى مجرد اعتذار… دي هتبقى معركة عشان يرجع يصحح الغلطة اللي دمرت البنت اللي كان قلبه بيحبها في السر من زمان.

نهاية الجزء الحالي المشوق… زين هيعمل إيه مع أمه وإزاي هيصالح زهرة؟ شال زين زهرة بين إيديه وهو حاسس إن جسمها زي الفروة الدبلانة، دقات قلبها كانت سريعة وضعيفة، ووشها باهت من كتر التعب والخوف. طلع بيها على جناحُه الخاص فوق، سريرُه اللي كان محرم عليها تدخله إلا عشان تنظفه، سرير “الزين بيه”. نزلها براحة كأنها حتة زجاج خايف تِتِكسـ,ـر، وغطاها كويس. نده على “خالة أم السعد” وهو بيزعق وصوته بيرتعش:

— “أم السعد! هاتي مية دافية وفوطة بسرعة، واطلبي الدكتور حالاً، بسرعة بقولك!” أم السعد طلعت تجري وهي مش فاهمة إيه اللي حصل، بس لما شافت نظرة الرعب والندم في عينين زين، وشافت زهرة نايمة على سريره، فهمت إن في حاجة كبيرة اتغيرت. الدكتور جه وكشف عليها، وكتبلها على محاليل ومقويات، وبص لزين وقال بنبرة لوم: — “المدام عندها انهـ,ـيار عصبي حاد، وسوء تغذية واضح، وضغطها واطي جداً. واضح إنها بتتعرض لضـ,ـغط نفسي شديد فوق طاقتها. لازم راحة تامة، وأهم من العلاج.. الراحة النفسية يا زين بيه.”

زين كان واقف باصص للأرض، كلام الدكتور كان ينزل على قلبه زي السـ,ـكاكين. بعد ما الدكتور مشي، قعد زين على كرسي جنب السرير، مسك إيد زهرة النحيفة اللي خشنّت من شغل البيت، وبدأ يدعكها بحنان وهو بيبكي من غير صوت. زين القوي، اللي عمر محد شاف دموعه، كان بيبكي زي العيل الصغير: — “سامحيني يا زهرة… أنا غبي، الغضب عَمى عيني وعمى قلبي. إزاي صدقت فيكي كدة؟ إزاي هان عليا أعمل فيكي كل ده؟”

على الجانب الآخر، في الملحق الخارجي، كان “عم عبده” الحارس رابط “ممدوح” في السلاسل وقافل عليه، ومستني أوامر زين. زين نزل السلم بخطوات تشبه دبيب المـ,ـوت. دخل الأوضة وعينيه كانت حمرا زي الدم. وبدون أي مقدمات، مسك ممدوح وفضل يضـ,ـرب فيه لحد ما خلاه ينطق بكل تفصيلة.. بالتاريخ، وبالساعة، وإزاي أمه (مرات عم زهرة) اتفقت معاه، والفلوس اللي قبضها عشان يعمل التمثيلية دي ويدخل أوضة زهرة بالليل والناس تشوفه. زين طلع تليفونه وسجل كل اعترافات ممدوح بالفيديو. وبعد ما خلص، بص لعم عبده وقال بصوت فحيح الأفاعي:

— “تلف الراجل ده، وترميه في أبعد مركز شرطة، والڤيديو ده يروح للنيابة فوراً بتهمة التهـ,ـجم والشروع في القتـ,ـل والتـ,ـزوير.. مش عايز أشوف وشه تاني.” عدى يومين، وزهرة بدأت تفوق تدريجياً. فتحت عينيها لقت نفسها في أوضة واسعة، وستاير حرير، وإضاءة هادية. ولما التفتت، لقت زين قاعد على الكرسي جنمبها، هدومه مبهدلة، ودقنه طلعت، وعينيه منمتش من يومين. أول ما شافها فتحت عينيها، قام بلهفة: “زهرة! حمد الله على سلامتك.. حاسة بإيه؟ أنادي الدكتور؟”

زهرة بصتله بنظرة باردة، خالية من أي مشاعر.. نظرة وجع أقوى من العياط. حاولت تقوم وتسحب إيدها منه، وقالت بصوت شرخان: — “أنا فين؟ وإيه اللي جابني هنا؟ أنا مكاني مش هنا يا زين بيه.. مكاني تحت مع أم السعد، عشان ألحق أخلص شغل الفيلا.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى