منوعات

حماتي بتقسم ورثي

تربيعة الصمت اللي سادت في البيت بعد ما قفلت الباب وراهم كانت غريبة. لأول مرة من ست شهور، من ساعة ما ريحة المستشفيات والمـ,ـوت دخلت حياتي، أحس إني قادرة أتنفس. بصيت على الكنبة العاجي. مكان جزام الولد الصغير كان سايب علامة طين سودا. جريت على المطبخ، جبت قماشة مبلولة وفضلت تنضف ام  العلامة دي بكل غلي وقهري، كأني بمسح أثرهم كلهم من حياتي. وأنا بنظف، رن موبايلي. شاشة الموبايل منورة باسم: “مارك”.

سبته يرن.. ويرن.. ويرن لحد ما فصل. وبعدها بدقائق، بدأت المكنة تشتغل؛ رسايل ورا رسايل. مارك: “فاليري ردي، إنتي اتجننتي؟ إزاي تطردي أمي وأخواتي بالشكل ده؟ فضحتيني!” مارك: “لو فاكرة إن الورقة دي هتخليكي تتحكمي فيا تبقي غلطانة. أنا جوزك وليا حق في كل حاجة تخصك.” رسالة من ميجان (أخت جوزي): “يا خطافة الرجالة، بقالنا سنين مستحملين قرفك وتناكتك، وآخرتها بتطـ,ـردينا؟ مارك كتير عليكي أصلاً، وبكرة نشوف مين اللي هيضحك في الآخر.”

قفلت الموبايل خالص. مش هسمح لأي طاقة سلبية تدخل البيت ده النهاردة. ليلة المواجهة الأولى.. والزائر غير المتوقع قضيت بقية اليوم وأنا برتب البيت، بفتح الشبابيك عشان يدخلها الهوا والشمس اللي أمي كانت بتحبهم. نمت ليلتها في الأوضة الرئيسية.. الأوضة اللي حماتي كانت عايزة تقعد فيها. نمت وأنا حـ,ـاضنة هدوم أمي، وحاسة بأمان غريب، كأن روحها بتحرس المكان. تاني يوم الصبح، الساعة كانت 9 بالثانية. سمعت صوت خبط رزين وقوي على الباب البراني.

قلبي دق. هل مارك رجع ومعاه أهله؟ مشيت بخطوات ثابتة وفتحت الباب. العجب كل العجب.. ما كانش مارك. كان “ستيفن”.. حمايا! الراجل اللي كان واقف في الجنينة بيخطط لحفلات الشوي كأني مش موجودة. لكن المرة دي، ما كانش لابس لبس الخروج الفخم، كان لابس بدلة رسمية، وفي إيده ملف أسود. ملامحه كانت هادية جداً، بعكس مراته وولاده. “صباح الخير يا فاليري.. ممكن أدخل؟” صوته كان واطي ورزين. وقفت في نص الباب وقلتله: “أهلاً يا عمي ستيفن. البيت بيتك لو جاي لوحدك وبصفة شخصية.. مش كرسول من إيلينور ومارك.”

ابتسم ابتسامة باهتة وقال: “أنا جاي لوحدي فعلاً.. ومظنش إن إيلينور هتحب تعرف إني هنا.” وسعتله السكة ودخل. قعد على الكنبة العاجي (اللي نظفتها)، وحط الملف الأسود على الترابيزة. “فاليري.. أنا عارف إن اللي حصل امبارح كان مهزلة.” بدأ كلامه وهو بيبص في الأرض. “إيلينور طول عمرها مسيطرة، ومارك طالع ليها.. بيحب المظاهر وفاكر إن كل حاجة بتيجي بالزعيق وفرض الأمر الواقع. أنا اعتذاري ليكي مش هيغير اللي حصل، بس عايزك تعرفي حاجة مهمة..”

فتح الملف الأسود وطلع منه ورق. “مارك مش بس كان عايز يقسم البيت.. مارك عليه ديون لشركاء في السوق بقيمة 2 مليون جنيه، وكان مأمل إن البيت ده يتكتب باسمه عشان ياخد عليه قرض بضمان العقار ويسدد ديونه.. وإيلينور وميجان كانوا جايين يضمنوا حتة من التورتة قبل ما البيت يترهن للبنوك!” الصدمة خلتني أقف. “ديون؟ مارك قايلي إن شركته بتكسب وبقالنا سنة عايشين في مستوى عالي!”

حمايا هز راسه بأسف: “كله منظرة كدابة يا بنتي. مارك غرقان، وهو دلوقتي قالب الدنيا مع محاميين عشان يشوف ثغرة في وصية أمك ’جريس‘. أنا جيت أقولك.. خليكي صاحية، ومتأمنيش لمارك لو جه وركع تحت رجليكي يعتذر.. هو هيعمل كدة قريب جداً، بس مش عشان بيحبك.. عشان ينقذ رقبته من السجن.” الخطة البديلة.. دموع التماسيح كلام حمايا نزل عليا زي الميّة الساقعة. فوّقني تماماً. شكرته على صراحته، ولما مشي، كلمت محاميّ الخاص، أستاذ رأفت، اللي كان صديق لوالدتي الله يرحمها.

“يا أستاذ رأفت، مارك بيدور على ثغرة في الوصية.” رأفت ضحك على الناحية التانية من الخط: “خليه يدور يا فاليري. أمك جريس الله يرحمها كانت ذكية جداً. الوصية مكتوبة بنظام ’الملكية المشروطة غير القابلة للتصرف أو الرهن إلا بموافقة المالك الأصلي وبشهادة اتنين مستشارين‘. يعني لو مارك جاب شياطين الإنس والجن، مش هيعرف يلمس طوبة من البيت. بس خدي بالك.. القانون مش هيحميكي من ألاعيبه العاطفية.” ومرتش يومين.. وصدقت نبوءة حمايا.

يوم الثلاثاء بالليل، الدنيا كانت بتمطر خفيف. سمعت خبط ضعيف ومنكسر على الباب. بصيت من العين السحرية.. كان مارك. هدومه كانت متبهدلة من المطر، ووشه باين عليه التعب والهم (أو ده اللي كان عايز يوريهوني). فتحت الباب بس فضلت حاطة السلسلة الحديدية. “عايز إيه يا مارك؟” بصلي بعيون مليانة دموع: “فاليري.. أرجوكي افتحي. أنا غلطان. أنا آسف. أهلي عموا عيني، وكنت فاكر إني بفرحهم، مش بعاديكي. أنا بحبك يا فاليري، ومقدرش أعيش من غيرك. البيت ده بيتك، وأنا مستعد أكتبلك شيك باعتذار، بس متخربيش بيتنا عشان خناقة هبلة.”

لو كنت فاليري القديمة.. كنت هفتح الباب، وأعيط، وأقوله “خلاص يا حبيبي”. لكن فاليري اللي واقفة دلوقتي وراها روح “جريس” ووراها حقيقة الـ 2 مليون جنيه ديون. ابتسمت بسخرية وقلتله: “والـ 2 مليون جنيه اللي عليك يا مارك؟ دي خناقة هبلة برضو؟” وشه اتخطف في ثانية. الدموع نشفت في عينه، وملامحه اتقلبت من الانكسار للرعب. “إنتي.. إنتي عرفتي منين؟” “عرفت إنك مش جاي تصالحني.. إنت جاي تلحق نفسك من السجن وعايز ترهن شقا أمي اللي مـ,ـاتت وهي واقفة على رجليها في المطعم عشان تسد بيه قذارتك وفشلك!” صرخت فيه وأنا بحس بقوة مش طبيعية.

مارك لما لقى القناع سقط، وشه اتقلب تماماً. ملامحه بقت شريرة وعنيفة. ضـ,ـرب الباب بإيده وقال بنبرة تهـ,ـديد: “ماشي يا فاليري! لو فاكرة إنك كسبتي تبقي هبلة. أنا مش هسيبك تتهني بالبيت ده لوحدك. وأيامك الجاية هتبقى سودا.. وهتشوفي مارك التاني هيعمل فيكي إيه!” الحرب المعلنة.. لعبة النَفَس الطويل من اليوم ده، بدأت الحـ,ـرب الرسمية. مارك رفع قضية “طاعة” وضمني لبيت الطاعة في شقة قديمة ومتهالكة تبع أهله عشان يضغط عليا قانونياً.

حماتي إيلينور بدأت تنشر إشاعات في وسط المعارف والأقارب إني ست مادية، وطردت جوزها وأهله بعد ما ورثت، وإني كنت مستنية أمي تمـ,ـوت عشان أبان على حقيقتي. وميجان كانت بتدخل بصفحات وهمية على صفحة مطعم أمي الصغير اللي كنت لسه بعبّط عشان أرجّع نشاطه، ويكتبوا تقييمات سيئة ويقولوا إن الأكل مسمم عشان يقطعوا رزقي. كنت بتوجـ,ـع؟ طبعاً. الضغط كان رهيب. في أيام كنت بقعد أعيط في الصالة لوحدي وأقول “يا رب أنا عملت إيه لكل ده؟”.

لكن في كل مرة كنت بضعف فيها، كنت بفتكر وصية أمي: “هيجربوا يشوفوا هتسكتي لحد فين.” قررت إني مش هسكت. أولاً: أستاذ رأفت رفع قضية “خـ,ـلع” وشقشقنا فيها بكل المستندات والديون والأحكام القضائية اللي بدأت تنزل على مارك من الديانة بتوعه. ثانياً: روحت لمباحث الإنترنت وقدمت بلاغات رسمية بالـ IP الخاص بميجان وأكونتاتها الوهمية اللي بتبوظ سمعة المطعم، وخلال أسبوعين كانت ميجان مطلوبة للتحقيق في قضية تشهير وإساءة استخدام وسائل التواصل، وغرامتها بتوصل لـ 300 ألف جنيه!

لما ميجان جالها استدعاء من النيابة، كلمتني وهي بتعيط وتصرخ: “فاليري أرجوكي اتنزلي عن المحضر! جوزي هيطلقني لو عرف، وإحنا معندناش فلوس ندفع الغرامة!” قلتلها بكل برود: “يا بنتي بلاش دراما.. إحنا بقينا أهل، مش كدة؟” وقفت السكة في وشها. المشهد الأخير.. النصر الحقيقي بعد مرور 8 شهور من المحاكم والمشاحنات.. كنت واقفة في جنينة بيتي. الجنينة اللي حمايا كان عايز يعمل فيها حفلات شوي، واللي ابن ميجان كان بيلعب فيها.

اليوم ده كان مميز جداً. كان يوم افتتاح مطعم أمي “جريس” بعد ما جددته بالكامل وبقى من أشهر مطاعم المنطقة، وبقى بيدخل دخل ممتاز. وفي نفس اليوم، استلمت حكم الخلع الرسمي من مارك.. وبقيت حرة. وأنا واقفة في الجنينة وبشرب قهوتي، لقيت عربية بوليس معدية من قدام الشارع، وسمعت صوت زعيق جاي من أول الشارع الرئيسي.

عرفت بعدين من الغفير إن الديانة بتوع مارك جم ومعاهم تنفيذ أحكام، وقبضوا عليه هو وأخوه ريتشارد اللي كان ضامنه في الشيكات، وخدوهم على البوكس قدام المنطقة كلها. إيلينور كانت بتصوت وتلطم في الشارع، ومحدش من الجيران رضي يقف معاها بعد ما الكل عرف حقيقتهم. بصيت للسما، وأخدت نفس عميق وابتسمت. البيت هادي. المكان نظيف. محدش بيقسم أوضي، ومحدش بيحددلي أعيش إزاي. أمي ما سابتليش مجرد جدران وأرض.. أمي سابتلي درس عمري ما هنساه: “حقك مش اللي الناس بتديهولك.. حقك هو اللي إنتي مبتسمحيش لحد ياخده.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى