أنفاس جوزي اتطابقت مع الصمت المرعب اللي ساد المكان. وشه اللي كان أبيض بقى باهت تماماً كأنه جـ,ـثة، وعينيه زادت اتساعها وهو بص للطفل، وبعدين بصلي… أو بمعنى أصح، حاول يتفادى يجيء في عيني. مسكت الصورة بإيد بتترعش، وجوايا زلزال بيفرتك كل لحظة أمان عشتها مع الراجل ده على مدار سنين. بصيت لابني، ودموعه كانت نازلة على خدوده، مش من الخوف، لكن من ثقل السر اللي كان شايله على كتفه الصغير طول الشهور دي.
نزلت لمستوى ابني، وحطيت إيدي على كتفه وقولت بصوت محشور: — يعني… الولد اللي في الصورة ده، شفته هناك بجد يا يوسف؟ يوسف هز رأسه ببطء، ومسح دموعه بظهر إيده: — أيوه يا ماما… تيتة كانت بتقولي ده صاحبك الجديد ومتقولش لماما، وبابا كان بيجي كل جمعة ياخده في العربية ويخرجوا ساعة ويرجعوا… وكان بيقولي: “لو حكيت لماما، ربنا مش حيدخلك الجنة عشان الملايكة بتزعل من اللي بيفشوا أسرار البيت.”
الكلمات كانت ينزل عليا زي المية المغلية. التفتّ لجوزي، كان قاعد على الكرسي مهدود، ماسك رأسه بإيديه الاثنين. قربت منه ببطء، والظرف في إيدي، وصوتي بدل ما يطلع بصراخ، طلع هادي مرعـ,ـب… الهدوء اللي بيجي قبل الإعصار: — شريف… رد عليا. مين الست دي؟ ومين الطفل ده؟ وليه ابنك بيتقال عليه “الزوجة الثانية” في عقد مكتوب قبل جوازنا بسنتين؟ رفع رأسه ببطء، وعينيه فيها مزيج من الخوف والانكـ,ـسار، وقال بصوت مبشوح:
— ماجدة… أنتِ مش فاهمة حاجة… الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة خالص. ضحكت بصوت عالٍ، ضحكة مكسـ,ـورة مليانة وجع: — مش فاهمة؟! أنت بتهزر؟ أنت اتهمني بالخـ,ـيانة من ثانية واحدة! رامي لي صور مفبركة في وشي ومستعد تطـ,ـردني وتدمـ,ـر شرفي عشان تغطي على أوسـ,ـاخك وأوسـ,ـاخ أمك! وتقولي مش فاهمة؟! وفجأة… الباب اتفتح! المفتاح اتلف في القفل بسرعة، ودخلت حماتي! كانت داخلة بابتسامة ثقة، لابسة عبايتها الشيك وشايلة شنطتها، كأنها داخلة تبارك لولادها على حفل إعدامي. لكن الابتسامة اتبخرت أول ما شافت المشهد: أنا واقفة والورق في إيدي، شريف منهار على الكرسي، ويوسف يستخبى ورايا.
حماتي بصت لشريف وارتدّت خطوة لورا: — في إيه يا شريف؟ أنت عملت إيه؟ هي طـ,ـردتك ولا إيه؟ أمال فين الشرطة؟ قربت منها خطوتين، وحطيت عقد الجواز والصورة في وشها: — الشرطة؟ لا يا حاجّة… الشرطة دي المفروض تيجي تاخدك أنتِ وابنك بتهمة التـ,ـزوير، والتآمر، وشهادة الزور، وتربية أطفال على الكدب! وش حماتي اتغير في ثانية،تحولت ملامحها من الست الحنونة للمفـ,ـترسة اللي أتعريت خلاص: — أنتِ أجننتِ يا بت أنتِ؟! بتفتشي في حاجات جوزك؟ وأنت يا شريف واقف ساكت ليه؟ ما ترمي عليها اليمين وتطردها! الصور أهي مع العمارة كلها!
صرخت فيها بأعلى صوتي: — الصور اللي ابنك عارف إنها لعبة منك؟ ولا التسجيل اللي معايا بصوتك وأنتِ بتدفعي لنوة عندك 8 سنين عشان يشهد زور ضد أمه؟! حماتي اتلخبطت، وبصت ليوسف بغضـ,ـب مرعب: — أنت حكيت يا ولد؟ أنت ولد قليل الأدب و… شريف وقف فجأة وصرخ بصوت زلزل البيت: — كفاية بقى يا أمي! كفاية! البيت كله سكت. شريف كان بينهج، وعينيه حمرا دم. بص لأمه ودموعه نزلت لأول مرة من سنين:
— كفاية كدب وتخطيط! أنتِ دمـ,ـرتيني ودمرتي بيتي! أنتِ اللي أصرتِ إني أخبي، وأنتِ اللي خططتِ للصور دي عشان تخلصي منها لما حسيتِ إن يوسف ممكن يتكلم! قعدت على الأريكة وأنا حاسة إن رأسي بيلف. بصيت لشريف وقوتله: — اتكلم يا شريف… الحقيقة كاملة دلوقتي، وإلا والله العظيم ما هتشوف ابنك ده تاني، وهرفع قضية زنا وتـ,ـزوير وهفضحكوا في كل مكان. شريف قعد قصادي على الأرض، ومسك إيدي، بس أنا سحبتها بسرعة وقسـ,ـوة. بلع ريقه وبدأ يتكلم وصوته بيرتعش:
— قبل ما أعرفك بسنتين… اتجوزت سر. اتجوزت واحدة اسمها رانيا… أخت واحد صاحبي. الجوازة كانت غلطة، وأمي كانت رافضة كلياً، بس لما حملت، أمي أجبرتني أطلقها في السر قبل ما تولد… سكت لحظة وهو بيتنفس بصعوبة، وتابَع: — رانيا ولدت ولد… حازم. أمي خدت الولد منها بالفلوس والمحاكم والتهديد، ورانيا سافرت برة مصر ومحدش يعرف عنها حاجة. أمي كتبت الولد باسمي، بس سجلته في الملتقى المجتمعي كأني مربيه أو متكفل بيه، وعاشت هي تربيه في شقة تانية من وراكي!
بصيت له بصدمة: — يعني الولد ده… أخو يوسف؟ ابنك أنت؟! شريف هز رأسه وهو بيبكي: — أيوه… حازم عنده 10 سنين دلوقتي. أمي كانت خايفة إنك تعرفي وتطلبي الطلاق وتضايقيها في الورث، فكانت بتاخد يوسف عندها كل جمعة عشان يتربى مع أخوه من غير ما يعرف إنه أخوه، وتقولهم إنهم أصحاب… ولما حازم بدأ يسأل “فين بابا؟”، ولما يوسف بدأ يلاحظ إن في حاجات غريبة ويسأل عن الورق، أمي خافت إن يوسف يحكي لك…
حماتي دخلت في الكلام بغل: — كنت عاوزة أحمي حق ابني وحق أحفادي! أنتِ ست غريبة، كنتِ هتاخدي شريف مننا وتنسيه ابنه الأولاني! أنا كنت بعمل كده عشان أحافظ على العيلة! وقفت وجسمي كله بيرتعش من كمية المرض والشر اللي قدامي. بصيت لحماتي وقولت لها: — تحافظي على العيلة؟ بإنك تطلعي طفل كذاب؟ وتدفعي له فلوس عشان يطعـ,ـن أمه في شـ,ـرفها؟ أنتِ مش بتجمعي عيلة، أنتِ بتدريسي في جـ,ـحيم! التفتّ لشريف وقولتله بقسـ,ـوة:
— وأنت يا شريف… أنت مش راجل. أنت مجرد لعبة في إيد أمك. سمحت لها تتهمني في شرفي، وسمحت لها تستغل ابنك، وخبيت عليا إن عندك ابن تاني طوال السنين دي كلها… أنت خاين، ومش بس خاين بملفات وزواج، أنت خاين للأمانة. شريف مسك رجلي وهو بيبكي: — ماجدة، أرجوكِ… أنا مستعد أعمل أي حاجة، هكتب البيت باسمك، هقطع علاقتي بأمي، هجيب حازم يعيش معانا وتشوفيه… بس متخـ,ـربيش البيت! بصيت ليوسف اللي كان واقف يبص لأبوه باستحقار غريب بالنسبة لسنه. ابني اتعلم الدرس بدري أوي، اتعلم إن الكبار ممكن يكدبوا ويبيعوا أخص أقرب الناس بفلوس وأسرار.
مسكت إيد يوسف، وشديت شنطة هدومه اللي كانت جاهزة على جنب، وطلعت موبايلي ورنيت على أخويا. — ماجدة! أنتِ رايحة فين؟! — صرخ شريف وهو بيلحقني عند الباب. وقفت عند الباب وبصيت له وبصيت لأمه اللي كانت واقفة بعينين مليانة كره: — أنا رايحة للمكان اللي فيه رجال بجد. والتسجيل ده، والورق ده، والصور المفبركة دي… هيبقوا بكرة الصبح عند محامي الأسرة، وعند وكيل النيابة. أنت وأمك مش بس هتدفعوا ثمن الطلاق، أنت هتدفعوا ثمن كل لحظة خوف حستها أنا وابني في البيت ده.
خرجت وقفلت الباب ورايا بقوة، وسابيتهم في وسط الفوضى والدمار اللي هم صنعوه بإيديهم. وأنا نازلة على السلم، يوسف شد إيدي وبصلي وقال: — ماما… هو أنا كده حروح الجنة؟ ضميته لصدري وأنا بنزل الدموع اللي حبستها طوال القاعدة دي، وقولتله: — أنت سيد الجنة يا حبيب ماما… عشان أنت الوحيد اللي كان صاحب حق في البيت ده. المعركة يلا بدأت… بس المرة دي، أنا اللي معايا الكروت كلها.