منوعات

جوزي نصب على اخويا

شوفي يا سمر.. الليل ده ما كانش ليل عادي، كان أطول ليل يمر على ست في الدنيا. العقارب كانت بتتحرك على الحيطة زي ما تكون ماشية على أعصابي، وتامر قاعد في الصالة رايح جاي، سجائر ورا سجائر، وشه زي قطعة الفحم، وكل ما عيني تيجي في عينه، يبصلي بنظرة معناها واضح: “كلمة واحدة.. وهتروحي بيت أهلك بشنطة هدومك ولقبك مطلقة”.

أنا كنت قاعدة على السرير في الأوضة، ماسكة سجادة الصلاة وضاماها لصدري. الدموع كانت بتنزل تحـ,ـرق وشي. من ناحية، سبع سنين عشرة، وبيتي اللي بنيته حجر حجر، وحلم إن ربنا يرزقنا بالخلفة اللي مستنياها.. ومن ناحية تانية، شهادة الزور، اليمين الغموس اللي يهد جبال، وحق مصطفى الشاب اللي شقي وتعب في الغربة وعرق عشان يعمل قرشين، ويرجع أخوه ابن أبوه وأمه ياكلهم في ثانية! صليت الفجر، ودعيت ربنا بصوت مخنوق: “يا رب.. أنت عالم إني ضعيفة، ومفيش في إيدي حيلة.. افتحلي باب فرج من عندك، ولا تجعلني ظـ,ـالمة ولا معينة لظـ,ـالم”.

العاصفة قبل القعدة طلعت الشمس، والبيت كان ساكن سكون يسبق العاصفة. تامر دخل الأوضة، لبس جلبابه الأبيض المغسول والمكوي، وحط العطر بتاعه كأنه طالع عريس، وبصلي في المراية وقال ببرود يرعب: “القعدة الساعة 8 بعد العشاء في بيت العيلة الكبير. عمامك كلهم جوم من البلد، وكبارات العيلة قاعدين. أنتِ مش هتخرجي من الشقة غير لما أنادي عليكِ. ولما تدخلي، عينك تبقى في الأرض، وتنفذي اللي اتفقنا عليه.. فاهمة يا سمر؟”

هزيت رأسي من غير ما أنطق، ولساني جاف. خرج وسابني، وقفل الباب بالمفتاح من برة عشان يتأكد إني مش هربان! القعدة بدأت تحت في بيت العيلة، وأنا فوق سامعة الصوت. الصوت كان زي هدير البحر. صراخ مصطفى وهو بيستغيث بعمامه، وصوت تامر الثابت الفاجر وهو بينكر وبيحلف بالطلاق إنه ما شافش منه مليم، وصوت عمي الحاج “عبد العظيم” كبير العيلة وهو بيحاول يهدّي النفوس ويحكم بالعدل. الساعة جاب 9 ونص.. وفجأة، سمعت خطوات تقيلة طالعة على السلم. الباب اتفتح، وكان تامر، وشه أصفر زي الليمونة، وجنبه عمي الحاج عبد العظيم، وشايل في إيده مصحف كبير مذهب.

دخل عمي وقعد على الكنبة، وبصلي بنظرة كلها حزن وأسى، وقال بصوت حكيم ومهيب: “تعالي يا سمر يا بنتي.. اقعدي هنا.” قعدت ورجلي مش شايلااني، جسمي كله كان بيتفض زي الريشة في الهواء. تامر كان واقف ورا عمي، وعينيه مثبتة عليا زي السكينة. عمي حط المصحف على الترابيزة بيني وبينه، وبصلي وقال:

“يا بنتي.. مصطفى أخو جوزك بيقول إنه سلم تامر جوزك مليون و650 ألف جنيه ثمن الشقة، وإنك كنتِ قاعدة وبتمسي الفلوس وببتعمليلهم الشاي. وتامر جوزك بيكفر باللي قاله وبيقول ما أخدش مليم. مصطفى طلب شهادتك أنتِ بالذات، وقال سمر هي اللي حكما بينّا، وهي اللي هتتحاسب قدام ربنا. والمصحف أهو قدامك يا بنتي.. الشهادة أمانة، وحق العبد ربنا ما بيغفروش. تحلفي على كتاب الله.. هل تامر أخد الفلوس دي قدامك ولا لأ؟”

اللحظة الحاسمة: بين النارين السكون ساد الأوضة بشكل يخوف. حتى صوت أنفاس تامر ورايا كان مسموع. بصيت للمصحف، وفتحت عيني لقيته كأنه يناديني: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ). وبصيت لتامر، لقيته بيحرك شفايفه بكلمات تهديد من غير صوت: “لو نطقتي.. أنتِ طالق”. ريقي جف، وإيدي كانت اترعشت وهي بتقرب من المصحف. عمي عبد العظيم قال: “حطي إيدك على كتاب الله يا بنتي.. وقولي الحق، محدش يقدر يؤذيكي وأنا حي.”

حطيت إيدي على المصحف.. حسيت بكهربا سرت في جسمي كله، ودفء غريب نزل على قلبي طمنه في ثانية. كل الخوف من تامر ومن الشارع ومن الطلاق اتبخر في لحظة. افتكرت مصطفى ودموعه، وافتكرت وقفتي قدام ربنا يوم القيامة. بصيت لعمي، وبصيت لتامر بثبات ما أعرفش جالي منين، وقلت بصوت عالي وواضح هز أركان البيت: “وحق هذا الكتاب الشريف.. وبحق من أنزل القرآن على محمد.. مصطفى أخو جوزك جاب الشنطة هنا في الصالة دي، وطلع منها المليون ونص، وتامر جوزي قعد يعد الفلوس رزمة رزمة قدام عينيا، ودخلها بنفسه الخزنة اللي في أوضة النوم.. وأنا اللي عملتلهم الشاي بأيديا دول!”

الانفجار! الكلمة نزلت على تامر زي الصـ,ـاعقة! وشه اتغير وبقى زي الميـ,ـتين، وصرخ بصوت هيستيري: “أنتِ كدابة! أنتِ متفقة معاه عليا! أنتِ طاااااالق! طالق بالثلاثة يا سمر! برة بيتي!” وجري عليا عشان يضـ,ـربني، لكن عمي عبد العظيم وقف له زي السد المنيع، زقه ببرود وقوة وقال بصوت هز البيت كله: “إلزم حدك يا تامر! كلمة كمان وهقطعلِك لسانك! الحرمة حلفت على كتاب الله، والشهادة كملت. أنت طلعت حرامي وبتأكل مال أخوك الشقيان!”

عمي نادى بصوت عالي: “انزلوا يا رجالة!”. في ثواني، السلم اتملى بعمامي ومصطفى والشباب. دخلوا الأوضة، ومصطفى عينيه كانت بتدمع، وبصلي وقال: “الله يسترِك يا سمر في الدنيا والآخرة.. ربنا ينجيكي زي ما نجيتيني من الخراب”. عمي عبد العظيم مسك تامر من جلبابه وقال: “قدامك خيارين لا تالت ليهم يا تامر.. يا تطلع الخزنة وتطلع المليون ونص لمصطفى وتكتب له العقد دلوقتي قدام الكبارات، يا قسم بالله لتكون مرفوع عليك قضية ونحبسك، والعيلة كلها تتبرأ منك ليوم الدين!”

تامر كان مظلوم بظلمه، شاف إن العيلة كلها بقت ضده، وإن السر اتكشف خلاص. انكسر، ورجليه ما شالتهوش، قعد على الأرض وبص للترابيزة بكسرة ونذالة، وقال بصوت خافت: “المفتاح في الخزنة.. الفلوس جوة.” النهاية والبداية الجديدة في نفس الليلة، اتفتحت الخزنة، ومصطفى استرد المليون ونص، واتكتب عقد الشقة واتبصم عليه قدام الكبارات كلهم. وتامر اتفضح قدام العيلة كلها وبقى شكله زي الإبرة. أنا لميت هدومي في شنطة صغيرة، ووقفت عند باب البيت. عمي عبد العظيم جالي وطبطب على كتفي وقال:

“يا بنتي.. أنتِ ست أصيلة وبنت ناس، وربنا مش هيضيعك. جوزك ده ما يستاهلكِش، والقرش الحرام كان هياكلكوا أنتوا الاتنين. أنتِ هتجاي تقعدي في بيتي مع بناتي معززة مكرمة، وكل حقوقك هتوصلك لحد عندك.” خرجت من البيت وأنا حاسة برائحة الفجر وبراحة نفسية عمري ما حسيتها في سبع سنين. بيتي اتخـ,ـرب؟ اه.. اتطلقت؟ اه.. بس خرجت بنظافة قلب، وضمير مرتاح، ووجه أبيض قدام ربنا والناس.

وبعد ست شهور بس.. ربنا فرجها عليا من حيث لا أحتسب. عمي وقف معايا لحد ما أخدت كل حقوقي والمؤخر بتاعي. ومن دعوات مصطفى وأمه ليّا، تقدم لي راجل صالح، ابن ناس يتقي الله، اتجوزته وربنا عوضني بيه، وبعد سنة واحدة بس.. ربنا رزقني بأول طفل ليّا، وعرفت ساعتها إن العوض بتاع ربنا كبير أوي، وإن اللي بيسيب حاجة عشان ربنا.. ربنا بيبدله بأحسن منها ألف مرة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى