منوعات

بتغير الملايات

حبست نفسي وأنا باصص للظرف الأحمر. اللون كان فاقع بشكل يرعب، كأنه بيتحدى المكان. مراتي، ندى، كانت واقفة بتترعش، أيديها على بقها وعينيها متسعة على آخرهم. — أحمد… الظرف ده مكنش هنا من خمس دقائق! أنا لسه رافعة المرتبة قدامك! مسكت الظرف بـإيد بتترعش. كان ملمسه ناعم، مكتوب عليه من بره بخط يد جاف وبشع، مجرد كلمة واحدة: “أحمد”. فجأة، افتكرت أمي.. الصوت المرعوب، الخبط اللي على بابها، والجملة الأخيرة: “هو رجع”.

مسكت تليفوني وحاولت أتصل بـأمي تاني.. الجرس يجمع، يرن لحد ما يقطع، وما بتمش الإجابة. المرة التانية، التالتة.. التليفون أتقفل خالص. — ندى، خليكي هنا وماتفتحيش الباب لأي حد مهما حصل! — أحمد، ما تسيبنيش! مين اللي كان بره؟ ومين اللي حط الظرف ده هنا؟ إحنا كنا جوه الأوضة! الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة. إحنا كنا جوه الأوضة ورجلينا ما طلعتش بره الشقة.. ده معناه إن فيه حد دخل الشقة وإحنا جوه، حط الظرف تحت المرتبة، وخرج.. أو.. ما خرجش!

سحبت ندى من إيدها، وطلعنا بره الأوضة بسرعة. الشقة كانت ساكنة تماماً، والهدوء فيها مرعب. اتأكدت إن الترباس المقفول بتاع الباب الرئيسي متقفل من جوه زي ما سبته. فتحنا الظرف الأحمر بـإيدين بتترعش. جوه الظرف كان فيه حاجتين: مفتاح قديم بأسنان مشرشرة، شكله مفتاح شقة أمي القديمة اللي قفلتها من سنين بعد وفــ,,ـــــاه أبا. ورقة مطوية، مقصوصة من جورنال قديم، ومكتوب فيها بخط يدي أنا.. بس أنا ما كتبتهاش! الرسالة كانت بتقول:

“الورث مش فلوس يا أحمد. الفلوس اللي مع ندى دي كانت عشان تشتري سكاتها. أمك خايفة منك.. مش عليك. انزل الشقة القديمة قبل ما الباب يتفتح من جوه.” عقلي اتوقف عن التفكير. يعني إيه أمي خايفة مني؟ وإيه الفلوس اللي ندى كانت بتاخدها؟ بصيت لندى بصدمة وقرف: — الفلوس اللي في العلبة.. الـ 11 ظرف.. أمي كانت بتديهالك عشان تشتري سكاتك؟ سكاتك عن إيه؟! ندى انكمشت على نفسها وبدأت تعيط بانهيار:

— والله العظيم ما كنت أعرف! الفلوس كانت بتيجي ومعاها ورقة تقول لي: “شيليهم لأحمد لما الوقت ييجي”.. أنا افتكرتها بتشيل معاك قرشين أو بتساعدنا من وراك عشان كبريائك! مكنتش أعرف إن فيه حاجة مرعبة كده! الموقف كان بيزداد تعقيداً، وتليفوني رن فجأة.. النمرة كانت برقم أرضي: رقم شقة أمي القديمة.. الشقة المهجورة من 8 سنين! رديت بسرعة والصوت كان متقطع وفيه وش شديد: — أحمد.. الحقني.. هو تحت.. في المخزن..

الصوت كان صوت أمي، بس كان أضعف بكثير. — أمي! أنتِ فين؟ أنتِ مش في شقتك؟ — لأ.. أنا نزلت العمارة القديمة أول ما سمعت الخبط.. هو فك سجــ,,ـــــن نفسه يا أحمد.. الـ 11 ظرف دول كانوا بيجددوا الأجير اللي حارسه.. الفلوس كانت بتتدفع لشخص بيحمينا منه.. بس الشيك الأخير أترفض.. وهو رجع يتطالب بدَينه! الخط اتطقطع. ما فكرتش مرتين. أخدت مفتاح العربية، ونزلت ألمس السلالم لمس. ندى رفضت تقعد لوحدها وجت معايا.

طول الطريق للعمارة القديمة في الحي الشعبي اللي اتربيت فيه، الأفكار كانت بتاكل دماغي. أبوي مات في ظروف غامضة من 8 سنين، جــ,,ـــــثه لقوها في الشقة القديمة وتقرر إنها وفــ,,ـــــاه طبيعية بسكتة قلبية. ومن يومها أمي سابت الشقة وقغلتها، ونقلت لشقة قريبة مني. وصلنا العمارة. الشارع كان فاضي وطافي، الساعة كانت عدت 2 بالليل. طلعنا الدور التاني، قدام شقتنا القديمة. الباب الخشبي التقيل كان عليه جنزير مصدي، بس الجنزير كان مقطوع ومحطوط على الأرض!

فتحت الباب ببطء. ريحة تراب ورطوبة وصوف معفن هجمت على مناخيرنا. — ندى، خليكي ورايا. شغلت كشاف التليفون. الشقة كانت زي ما هي، العفش متغطي بملائات بيضا كأنها جثث واقفة في الظلــ,,ـــــمة. مشينا ناحية الصالة، وسمعنا صوت حركة خفيفة جاية من الأوضة المقفولة.. أوضة أبا. قربت بخطوات متثاقلة، رفعت إيدي وفتحت الباب. الكشاف سلط الضوء على الأرض.. أمي كانت قاعدة على الأرض، ظهرها للمطبخ، بتترعش ومسكة في إيدها مصحف قديم.

— أمي! جريت عليها، رفعت رأسها، كانت مرعوبة وأول ما شافتني صرخت: — ابعد عني! ابعد يا أحمد! — أنا أحمد ابنك! في إيه؟ مين اللي هنا؟ ومين اللي حط الظرف تحت مرتبتي؟ أمي بصت لندى، وبعدين بصتلي بدموع حب وخوف مقطوع: — مفيش حد حط الظرف من بره يا أحمد.. أنت اللي حطيته. الكلمة نزلت عليا كأنها مية تلج. — أنا؟! أنا كنت واقف مع ندى في الأوضة! أمي مسكت إيدي وهي بتعيط بحــ,,ـــــرقة:

— أنت مبتفتكرش يا أحمد.. أنت من يوم دــ,,ـــــادثة أباك وأنت بيجيلك نوبات انفصال شخصية.. النوم القهري التلقائي. أنت بتمشي وتتحرك وتعمل حاجات وترجع طبيعي من غير ما تفتكر ولا ثانية! أنفاسي تلاحقت، وبصيت لندى اللي كانت واقفة مصدومة. أمي كملت كلامها وهي بتنهد:

— أباك الله يرحمه كان مديون لراجل ن Sameer المشهور في المنطقة بتجارته غير المشروعة.. لما أباك مات، الراجل ده هددنا إنه يهد حياتك ويحبسك بأوراق مزورة أباك كان ماضي عليها. الـ 11 ظرف دول.. كانت فلوس أنا بجمعها واديتها لندى عشان تدفع للراجل ده كل شهر من وراك عشان ما يوصلكش، وكنت بطلب منها تخبي عشان كرامتك وما تحسش إن أباك سابلنا ديون وتدمير. — طب والرسالة اللي في الظرف؟ والخبط اللي على بابك؟

— الراجل مات من شهر يا أحمد.. وابنه رجع يطالب بباقي الفلوس وهددني النهاردة.. لما كلمتك من شوية كان هو اللي بيخبط على بابي يهددني، فنزلت هربت هنا. أما الظرف الأحمر.. أنت اللي كتبته لنفسك من أسبوع وأنت في حالة النوبة دي، وحطيته في المطبخ، والنهاردة وأنت بتتخانق مع ندى وبتدور تحت المرتبة، أنت تحركت في لحظة ذهول وغفلة منها وحطيته بنفسك عشان عقلك الباطن كان عارف إن السر لازم ينكشف النهاردة!

وقفت مكان في حالة ذهول تام. أنا؟ أنا اللي كنت بالعب اللعبة دي كلها مع نفسي؟ فجأة، سمعنا صوت خبط تقيل على باب الشقة القديمة بره. صوت راجل غليظ ندى وأمي اتعرّفوا عليه فوراً: — افتحي يا حاجّة.. الفلوس اللي سابها ابنك ناقصة، وإما تدفعوا الباقي يا إما أوراق أباك هتوصل للنيابة بكرة الصبح! اللحظة دي، الغموض كله اتفك، والأسطورة المرعبة اللي في خيالي تحولت للواقع الحقيقي الصلب: ديون، وابتزاز، ومشاكل عائلية مدفونة تحت المرتبة بقالها سنين.

بصيت لأمي، وبعدين لندى اللي مسكت إيدي بتدعمني. الخوف اللي كان جوايا من “المجهول” و”الرعب” اختفى، واستبدل بشيء واحد: المسؤولية. سحبت نفس طويل، وقربت من باب الشقة، فتحته على آخره ووقفت وش لوش قدام الراجل. — الأوراق اللي معاك دي بلها واشرب ميتها.. أبايا مات من 8 سنين والديون دي سقطت بالقانون، والـ 11 ظرف اللي أخدتوهم بالنصب والابتزاز هيرجعوا بالقانون.. لو شفت وشك هنا تاني، البلاغ عن الابتزاز متجهز.

الراجل اتفاجئ بموقفي، بصلي بغل، بس لما شاف الثبات في عيني وعرف إن اللعبة الانعزالية اللي كانت أمي عايشة فيها انتهت بوجودي، لف وضهره ومشي وهو بيلعن. أخدت أمي في حــ,,ـــــضني، وندى كانت جنبا. في اليوم ده، أخدنا أمي معانا الشقة، ورجعت الملايات لمكانها، ورجعت الحقيقة للعين. أوقات كتير الخوف من المجهول والظلــ,,ـــــمة بيبنى في عقولنا أوهام مرعبة، بس الحقيقة ديماً بتكون أبسط.. وأقسى.. محتاجة بس إننا نواجهها وما نغطيهاش تحت المرتبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى