وقفت في نص الصالة، صينية الشربات في إيدي بترجف وصوت حركة الأكواب بيعدّ ضربات قلبي السريعة. النظرة اللي كانت في عين أم ياسين كانت كفيلة تخلي الدم يتجمد في عروقي. نظرة تقيلة، تفحصتني من فوق لتحت، أطالت التأمل في سماري، في بسطة فستاني، وفي الفرق الشاسع والملموس بين بساطة البيت اللي إحنا فيه وبين هيبة ابنها وشياكته. السكوت كان قـ,ـاتل، يخنق الأنفاس. أهلي وعمامي كانوا قاعدين حابسين أنفاسهم، عيونهم بتتطوّح بيني وبين الست الوقورة، مستنيين لحظة الانسحاب أو كلمة الرفض اللي هيتبرروا بيها الشماتة اللي تجهزت في قلوبهم من سنين.
وفجأة، اتنفست أم ياسين بعمق، وحطت فنجان القهوة على الترابيزة برقة متناهية. قامت من مكانها بخطوات موزونة، والبيت كله في حالة ذهول مستني الرد. قربت مني، وأنا كنت غمضت عيني مستعدّة للضـ,ـربة القاضية.. لكن اللحظة دي غيّرت مجرى حياتي للأبد. أخدت أم ياسين الصينية من إيدي وحطتها جانباً، ومسكت إيدي الإثنين بلمسة دافية جداً، وبصت في عيني مباشرة وابتسمت ابتسامة صافية وقالت بصوت هادي وراقي سمعوا كل الموجودين:
“بسم الله ما شاء الله.. ياسين قالي إنك طيبة وشبه الملايكة، بس مكنتش أعرف إن ملامحك سمحة وروحك باينة في عينيكي بالجمال ده.. يا بخت ابني بيكي يا بنتي.”
في اللحظة دي، حسيت كأن صاعقة ضـ,ـربت الصالة! عمامي وأبويا وأمي اتسمروا في أماكنهم، الشفاه اتفتحت من الصدمة، ومحدش قدر ينطق حرف واحد. الضحك والتريقة اللي كانوا مجهزينها اتحولوا لذهول وصدمة مش قادرين يستوعبوها. أم ياسين كملت كلامها وهي بتلتفت لأبويا وعمامي بثقة ورقي يخرّس أي لسان:
“إحنا جايين ونفسنا نطلب إيد كريمتكم لابننا ياسين. ياسين مهندس ورجل أعمال، ومش ناقصه غير زوجة صالحة تصونه وتبني معاه بيت قائم على الاتقاء والمودة، وهو اختار بنتكم بعد ما شاف أخلاقها وأصلها، وإحنا ميهمناش مظاهر ولا كلام فارغ، المهم المعدن والروح.”
ياسين رفع رأسه، وبصلي بابتسامة طمأنينة وكأنه بيكلمني بعينيه وبيقولي: “قلتلك انتي في نظري أجمل واحدة، والنهاردة ردت ليكي كرامتك.” أبويا حاول يستوعب الموقف، وبالعافية رد بثعثعة وهو بيحاول يجمع شتات نفسه: “أهلاً وسهلاً.. ده شرف لينا يا بني.. بس يعني.. أنتوا متأكدين؟”
رد ياسين بثبات وقوة هزت القعدة: “أنا مش بس متأكد يا عمي، أنا قاطعت مشوار طويل عشان أصل للإنسانة دي، وشـ,ـرف ليا إنها تقبل بيا.”
اتقرت الفاتحة وسط ذهول عائلة بيت العيلة كاملة. بنات عمي اللي كانوا بيتريقوا عليا واقفين ورا ستارة الصالة يموتوا من الغيرة والتفاجؤ، والرجالة مش عارفين يستوعبوا إزاي البنت اللي كانوا بيسموها “السمرا اللي محدش هيرضى بيها” تاخد عريس أوسم وأغنى وأخلق شاب دخل الشارع كله! بعد قراءة الفاتحة، طلب ياسين إننا نقعد بضع دقائق نتكلم في البلكونة تحت نظرهم. ولما وقفنا لوحدنا، بصلي وقال بنبرة مليانة حنان:
“كنت حاسس بيكي وبعارف كل كلمة اتصبت في أذنك سنين حياتك اللي فاتت.. أهلك ظـ,ـلموكي لما قيّموكي بملامحك، بس أنا جيت عشان أثبتلهم إن لؤلؤتك كانت مستخبية للعيون اللي تفهم قيمتها بس.”
جه يوم الشبكة، وياسين صمم إنه يعملها في أكبر قاعة، وجابلي شبكة ألمط وذهب مكنتش أحلم بأقل منها. خرجت من بيت العيلة وأنا لابسة فستاني الأبيض الملكي، ومرفوعة الراس، مش غروراً ولا تكبراً، لكن بيقين إن ربنا لما بيبتلي الإنسان بصبر على كلام الناس وصنع المحيط، بيعوضه عوض يجبر بخاطره ويدهش كل اللي ظلموه. واليوم، بعد مرور سنين على القصة دي، أنا عايشة مع ياسين في بيت مليان حب واحترام، وعندنا أطفال شايلين سماري وطيبة قلب أبوهُم. وكل ما بأفتكر بيت العيلة والأيام الصعبة، ببتسم وبحمد ربنا إن القلوب هي اللي بتعيش، وإن ربنا بيجبر خاطري وخاطر كل المكسـ,ـورين.
العبرة: لا تحكم على نصيبك بعيون الناس السطحيين، ولا تبتئس لقلة قدرك في عيون مَن لا يرى إلا الظواهر؛ فإن الله إذا أعطى أدهش بعطائه، وجبر القلوب المتـ,ـألمة بحكمة لا يعلمها إلا هو.
