– بقى كده يا يونس؟! – هتفت بها بصوت مكتوم يحاول ألا يوقظ الصغير مالك. نظر إليها يونس بهدوء، وألقى بمفاتيحه على الطاولة: – مالك يا مروة؟ في إيه على نص الليل؟ – في إيه؟! تسألني أنا في إيه؟! – أقتربت منه والغيظ يأكلها – أنت فاكرني عبيطة؟ فاكرني مش عارفة الدبابير اللي بتترسم تحت؟ عايز تتجوز شهد؟ مرات أخوك الميت؟! البت الصغيرة المنقبة اللي عاملة فيها شيخة وهي خطفت عقلك وعقل أبوك وأمك؟!
ضيق يونس عينيه، وتغيرت معالم وجهه إلى الجدية القاسية، فصوته المنخفض كان أشبه بالتحذير: – وطي صوتك وأنتِ بتتكلمي معايا. وبعدين أنتِ بتتجسسي عليا وعلى أبويا؟ – اتجوز عليا يا يونس! اتجوز عليا واحدة عندها ٢٢ سنة! – بكت بحرقة وغل – بقى أنا اللي شايلالك بيتك ومتحملة قرفك وسفرك، وفي الآخر تروح تجيبلي حتة عيلة تشاركني فيك؟! ده أنا أهد البيت ده على دماغكم كلكم! مسكها يونس من ذراعها بضغط متزن ولكن صارم، ونظر في عينيها مباشرة:
– سمعيني كويس يا مروة… الجوازة دي مش رفاهية ولا نزوة. دي بنت أخويا ومستقبلها، ومراته اللي ملهاش عائل غيرنا. أنتِ مكانتك زي ما هي، بيتك ومصاريفك وابنك محدش هييجي ناحيتهم. بس لو فكرتي تعملي مشاكل، أو تقلي أدبك على أمي أو على شهد، ساعتها هتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك. الجوازة دي هتتم بعد العدة… وده قرار انتهى. نفضت يدها منه بغل وهي تتنفس بسرعة، وركضت إلى غرفة النوم وأغلقت الباب خلفها بقوة. وقف يونس في الصالة، يتنهد بتعب، ينظر إلى فراغه. هل بالفعل سيتزوج تلك “الطفلة” كما أسماها؟ هل ستبدل حياته وهدوءه؟
في الصباح التالي… كانت الحاجة عزيزة قد نزلت إلى شقة شهد بحجة إحضار بعض الأغراض لجوري. كانت شهد تجلس على الأريكة، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، وطرحة تغطي شعرها، وتحتضن جوري التي كانت تلعب بدميتها. جلس كريم بجوار أخته، ونظر إليها بحنان وأساء: – شهد… يا حبيبتي، الحاج كامل ويونس فتحوا معايا موضوع البارح. رفعت شهد عينيها الدعجاوين، وعلى الرغم من الحزن الشديد المبين في ملامحها، إلا أن صفاء بشرتها وجمال عينيها الهادئتين كان ينطق بجمال استثنائي.
– موضوع إيه يا كريم؟ تنحنحت الحاجة عزيزة وقالت بسرعة: – يا شهد يا بنتي… يونس عايز يتجوزك بعد ما عدتك تخلص. سقطت الدمية من يد شهد، واتسعت عينها برعب وذهول، وتراجعت للخلف وكأنها تلقت صفعة: – إيه؟! يونس؟!… أنتِ بتقولي إيه يا ماما عزيزة؟! يونس ده أخو سعد الله يرحمه! ده زي أخويا الكبيرة… ده… ده متجوز مروة! قال كريم بهدوء وهو يمسك يدها:
– اهدي يا شهد… الحاج كامل خايف عليكي وعلى البنت. العرسان بدأوا يتقدموا، وأنتِ صغيرة، وجوري لو كبرت بعيد عن بيت الحاج كامل ممكن تضيع وسط المشاكل. يونس راجل، وهيصونك، والجوازة دي حماية ليكي وللبنت. دمعت عينا شهد، واستقرت قطرات الدموع على وجنتيها الموردتين طبيعياً:
– حماية؟! أنا مش عايزة اتجوز تاني يا كريم! أنا قلبي اتدفن مع سعد! إزاي أكون في حضن راجل تاني… وإزاي أكون مع أخوه؟! إزاي أبص في وش مروة اللي بتكرهني من غير حاجة؟! لا يا كريم… مستحيل! أنا آخد بنتي وأرجع معاك البلد، أعيش في بيتنا مكرمة ولا إني أكون سببا في خراب بيت يونس! قامت الحاجة عزيزة واحتضنتها بدموع: – يا بنتي افهمي… يونس مش يعيب، ودا بيتك وبيتنا. خالي مين اللي يربي بنت سعد؟ وجوز مروة يونس مقدور عليه، هو راجل البيت. أنتِ لو خرجتي من هنا، كأنك بتقولي لسعد إننا رمينا أمانته.
ظلت شهد تبكي بإنشاج، وصوت جوري الصغير يناديها: “ماما.. ماما”. كانت تشعر بقلة الحيلة، فكل شيء حولها يضغط عليها. مرت الأسابيع كأنها دهور… كانت مروة تبحث عن أي طريقة لتتخلص من هذا الكابوس. اتصلت بوالدتها، وحاكت معها الخطط، وأصبحت تعامل يونس بجفاء وتارة بأغراء وافتعال للمشاكل، لكن يونس كان كالثرى الصلب، لا يتزحزح عن قراره، بل زاد إصراره كلما رأى طمع العرسان الذين يحاولون خطب شهد فور انتهاء العدة.
وفي اليوم الأخير من عدة شهد… كان البيت على مرجل من نار. شهد حبست نفسها في الغرفة، تبكي حظها وتدعو الله أن يلهمها الصواب. لم تكن تحقد على يونس، فهي تعلم أنه رجل محترم لم ينظر إليها يوماً بنظرة سوء، لكن الفكرة نفسها كانت مرعبة بالنسبة لها. أما يونس، فكان يجلس في صالون والده، يكتب العقد بحضور المأذون وكريم والحاج كامل فقط، في جلسة هادئة وعائلية جافة بعيدة عن مظاهر الفرح، احتراماً لروح سعد.
تم عقد القران… وأصبح يونس وزوجة أخيه شهد… زوجاً وزوجة رسمياً. صعد يونس إلى شقة شهد المسائية. كانت الحاجة عزيزة قد نسقت مع شهد أن تنتظره في شقتها القديمة، الشقة التي شهدت أيامهما الأولى مع سعد. فتح يونس الباب بالمفتاح. كان الهدوء يسود المكان، ورائحة العود الفواح تملأ الشقة. وقف في الصالة، قلبه يدق بسرعة غير معتادة، شعور غريب يتملكه؛ فهو لم يرَ وجه شهد طوال أربع سنوات سوى من خلف النقاب، لم يعرف عنها سوى صوتها الناعم المكتوم ووقارها.
قدم خطواته نحو غرفة المعيشة، ووجدها تجلس على طرف الأريكة. كانت شهد ترتدي ثوباً بيتاً بسيطاً بلون وردي ناعم، يستر جسدها بلا تكلف. ولأول مرة في حياته… لم تكن ترتدي النقاب أو الحجاب. انسدل شعرها الأسود الحريري الطويل ليلامس الأرض تقريباً، وجسدها الممشوق، وبشرتها البيضاء الناصعة الممزوجة بحمرة طبيعية في خديها وسحر عينيها المليئتين بالدموع. تسمر يونس في مكانه… تجمعت الدماء في رأسه، وسقط لسانه عن الكلام.
تذكر كلام والدته: “دي فلقة قمر… دي حورية من الجنة…” تذكر سخريته وتكابره في البداية عندما قال إنها طفلة بالنسبة له. الآن، وهو ينظر إليها في هذه اللحظة، علم أن والده وأمه لم يبالغا في وصفها… بل أظلموا حقيقتها. كانت أجمل بكثير مما تتخيل أي مخيلة. ارتبكت شهد من نظراته الشاخصة، وانقبض صدرها حياءً وخوفاً، ولمست طرف شعرها تحاول تغطية وجهها بيدين ترتجفان، وقالت بصوت هادئ يرتجف فيه الشجن:
– يونس… لو سمحت… متقربش مني. استعاد يونس أنفاسه بصعوبة، وخطا خطوة بطيئة نحوها، وعيناه تعكس مزيجاً عجيباً من الذهول، والمسؤولية، والشغف المفاجئ الذي يستعمر قلبه لأول مرة… فماذا سيحدث في هذه الليلة؟ وكيف ستتصرف مروة التي تترقب السكنى في الشقة المجاورة؟